فعليك بالرّهينة . فلما أتى مروان عليّا كساه كسوة ، فكساها مروان أبا حفصة ، فغدا فيها أبو حفصة . وبلغ عليّا رضي اللَّه عنه ذلك فغضب وقال : كسوته كسوة فكساها عبدا ! . وشهد أبو حفصة مع مروان مرج [ 1 ] راهط ، وكان له بلاء . وكان أبو حفصة شاعرا .
قال أبو أحمد قال لي محمد بن إدريس أخبرني أبي أنّ أبا السّمط مروان بن أبي الجنوب أنشده لأبي حفصة يوم الدّار :
وما قلت يوم الدّار للقوم صالحوا
أجل لا ، ولا اخترت الحياة على القتل
ولكنّني قد قلت للقوم جالدوا
بأسيافكم لا يخلصنّ إلى الكهل
/ قال : وأنشدني لأبي حفصة أيضا :
لست على الزّحام بالأصر [ 2 ]
إني لورّاد حياض الشرّ
معاود للكرّ بعد الكرّ
قال يحيى وأخبرني محمد بن إدريس قال :
عكل تدّعي أنّ أبا حفصة منهم ، يقولون : هو من كنانة بن عوف بن عبد مناة بن طابخة بن إلياس بن مضر ، وقد كانوا استعدوا عليه مروان بن الحكم ، وقالوا : إنما باعته عمّته لمجاعة ؛ فأبى هو أن يقرّ لهم بذلك . ثم استعدوا عليه عبد الملك بن مروان أيضا ؛ فأبى إلَّا أنه رجل من العجم من سبي فارس ، نشأ في عكل وهو صغير .
قال محمد بن إدريس : وولد السّموءل بن عادياء يدّعونه ، والسموءل من غسّان . قال محمد : وزعم أهل اليمامة وعكل وغيرهم أنّ ثلاثة نفر أتوا مروان بن الحكم وهم أبو حفصة ورجل من تميم ورجل من سليم ، فباعوا أنفسهم منه في مجاعة نالتهم ؛ فاستعدى أهل بيوتاتهم عليهم ، فأقرّ أحدهم وهو السّلميّ أنه إنما أتى مروان فباعه نفسه وأنه من العرب ؛ فدسّ إليه مروان من قتله . فلمّا رأى ذلك الآخران ثبتا على أنهما موليان لمروان . فأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال : زعم المدائنيّ أنه كان لأبي حفصة ابن يقال له مروان سمّاه مروان بن الحكم باسمه ، وليس بالشّاعر ، وأنه كان شجاعا مجرّبا ، وأمدّ به عبد الملك بن مروان الحجّاج وقال له : قد بعثنا إليك مولاي ابن أبي حفصة وهو يعدل ألف رجل . فشهد معه محاربة ابن الأشعث ، فأبلى بلاء حسنا وعقرت تحته عدّة خيول ، فاحتسب بها الحجّاج عليه من عطائه . فشكاه إلى عبد الملك وذمّ الحجّاج عنده ؛ فعوّضه مكان ما أغرمه الحجّاج . وكان يحيى جدّ مروان بن سليمان جوادا ممدّحا .
جرير يودع ابنه يحيى بن أبي حفصة :
أخبرنا محمد العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا أبو سعيد السّكَّريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال :
أراد جرير أن يوجّه ابنه بلال بن جرير إلى الشام في بعض أمره ، فأتى يحيى بن أبي حفصة فأودعه إيّاه ، ثم بلغ بلالا أنّ بعض بني أميّة يريد الخروج ، فقال لأبيه : لو كلَّفت هذا القرشيّ أمري ! فقال له جرير :
هامش
[ 1 ] مرج راهط : في غوطة دمشق من ناحية الشرق ، وفيه كانت الواقعة بين مروان بن الحكم والضحاك بن قيس داعية ابن الزبير ، فقتل مروان فيها الضحاك وخلصت له الخلافة .
[ 2 ] من الصرير يقال : صر الرجل إذا صاح صياحا شديدا .