ما ليلة القدر من همّي فأطلبها
إنّي أخاف المنايا قبل عشرينا
يا ليلة القدر قد كسّرت أرجلنا
يا ليلة القدر حقّا ما تمنّينا ! ؟
لا بارك اللَّه في خير أؤمّله
في ليلة بعد ما قمنا ثلاثينا
فلما قرأت الأبيات ضحكت ، ودخلت إلى المهديّ فشفعت له إليه ، وأنشدته الشعرين ، فضحك حتى استلقى ، ودعا به وريطة معه في الحجلة [ 1 ] فدخل ؛ فأخرج رأسه إليه وقال : قد شفّعنا ريطة فيك ، وأمرنا لك بسبعة آلاف درهم . فقال : أمّا شفاعة سيّدتي فيّ حتى أعفيتني فأعفاها اللَّه من النار . وأمّا السبعة الآلاف فما أعجبني ما فعلته ؛ إمّا أن تتمّها بثلاثة آلاف فتصير عشرة ، أو تنقصني منها ألفين فتصير خمسة آلاف ، فإنّي لا أحسن حساب السبعة . فقال : قد جعلتها خمسة . قال : أعيذك باللَّه أن تختار أدنى الحالين وأنت أنت . فعبث به المهديّ ساعة ثم تكلَّمت فيه ريطة فأتمّها له عشرة آلاف درهم .
أنشد المهدي شعره في نخاس فضحك منه :
أخبرني الحسين بن عليّ عن حمّاد عن أبيه قال :
مرّ أبو دلامة بنخّاس يبيع الرقيق ، فرأى عنده منهنّ من كل شيء حسن ، فانصرف مهموما ، فدخل إلى المهدي فأنشده :
إن كنت تبغي العيش حلوا صافيا
فالشعر أعزبه وكن نخّاسا
تنل الطَّرائف من ظراف نهّد
يحدثن كلّ عشيّة أعراسا
/ والربح فيما بين ذلك راهن
سمحا بيعك كنت أو مكَّاسا [ 2 ]
دارت على الشعراء حرفة نوبة [ 3 ]
فتجرّعوا من بعد كأس كأسا
/ وتسربلوا قمص الكساد فحاولوا
بالنّخس كسبا يذهب الإفلاسا
فجعل المهديّ يضحك منه .
لفق رؤيا للمنصور وأخذ منه ثيابا :
نسخت من كتاب ابن النطَّاح قال :
دخل أبو دلامة على المنصور فأنشده :
رأيتك في المنام كسوت جلدي
ثيابا جمّة وقضيت ديني
فكان بنفسجيّ الخزّ فيها
وساج [ 4 ] ناعم فأتمّ زيني
هامش
[ 1 ] الحجلة : بيت يزين بالثياب والأسرة والستور .
[ 2 ] مكس في البيع يمكس ( من باب ضرب ) : نقص الثمن . والمراد هنا المشاحة في البيع والشراء .
[ 3 ] لعل صوابها : « نوبة حرفة » .
[ 4 ] الساج : الطيلسان الأخضر وقيل الأسود وقيل المقور ينسج كذلك ، وفي الأساس : « لبسوا السيجان وهي الطيالسة المدوّرة الواسعة » .