شرح البردة
بدأ البوصيري قصيدته كغيره من الشعراء بمطلع غزلي جميل على عادة شعراء العرب ، ملتزما العفة والاحتشام لمدح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فهو يقول :
أمن تذكر جيران بذى سلم * مزجت دمعا جرى من مقلة بدم « 1 »
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة * وأومض البرق في الظلماء من أضم « 2 »
فما لعينك ان قلت اكففا همتا * وما لقلبك ان قلت استفق يهم « 3 »
فهو يتساءل في مطلع بردته المباركة عن أسباب انسياب دمعه - هل جرى هذا الدمع ممزوجا بدم من تذكر الديار والجيران بذي سلم ؟ أم لوميض برق يضيء الظلماء ، وهبوب ريح حبيبة من تلقاء كاظمة ، حيث يقيم أحباؤه ، وعندما يرى استنكار المخاطب لهذا القول يأخذه - بقوله - ان عينيك لا تطيعانك حينما تطلب منها الكف عن ذرف الدموع بل يزداد انهمار الدمع كما أن قلبك كلما طلبت منه أن يفيق من غرامه ازداد شوقا وهياما ، فعينا الشاعر وقلبه في لهفة إلى الجيران وإلى تلك الحبيبة .
ويقول :
أيحسب الصب أن الحب منكتم * ما بين منسجم ومضطرم « 4 »
ليؤكد أن الحب لا يمكن كتمانه ويفضح العاشق بالعلامات التي تظهر عليه من سقم وتحول واضطراب .
هامش
( 1 ) ذو سلم : جبل لطيء شرقي المدينة وقيل أن ذي سلم ليس جبل وإنما هو مكان بين مكة والمدينة قرب من قدير ، جيران : جمع جار وهو الملاصق للإنسان والمراد بالجيران في البيت المحبوبون ، مزجت : خلطت .
( 2 ) كاظمة : اسم موضع بالمدينة ، أومض : لمع لمعانا خفيفا ، الظلماء : الليلة المظلمة ، اضم : اسم لجبل ، وقيل اسم لواد بالقرب من المدينة المنورة .
( 3 ) همتا : سالتا بالدمع ، استفق : أي أرجع إلى رشدك ، يهم : حالة الجزم من يهم أي يتمادى في الهيام وهو جنون العشق .
( 4 ) الصب : العاشق ، المنسجم : الدمع السائل ، المضطرم : المراد به الفؤاد الملتهب شوقا .