ويقول :
يا نفس دنياك تخفى كل مبكية * وان بدا لك منها حسن مبتسم « 1 »
قضى بتقواك فاها كلما ضحكت * كما يفيض اذى الرقشاء بالثرم « 2 »
ويريد الشاعر بهذا أن ينصح نفسه بأن لا تغتر بمباهج الدنيا وابتسامتها ، فقد تخفى في الغيب ما يبكي ويحزن فمثلها في ذلك مثل الحية الرقطاء ، لها لون جميل ولكنها تخفي في فمها السم ، والابتسام لا يأتي إلا من الفم ، والسم لا يأتي إلا من الفم كذلك ، فوضع شوقي ابتسام الدنيا الزائف نظيرا لسم الحية القاتل .
ثم يقول :
مخطوبة منذ كان الناس خاطبة * من أول الدهر لم ترمل ولم تئم « 3 »
يفني الزمان ويبقى من اساءتها * جرح بادم يبكي منه في الادم « 4 »
فهذه الدنيا في نظر الشاعر كانت مطلوبة منذ بدء الخليقة ، فالإنسان دائما يسعى إليها ، فهي جذابة مغرية لبني البشر فيتكالبون عليها كما يتكالب الخطباء لخطبة امرأة جميلة لا تترمل أبدا وأنها تحمل من الماسي ما لا يفني بمر الزمان ، كما حدث عن كيدها لآدم عليه السلام .
ويقول الشاعر :
لا تحلفني بجناها أو جنايتها * الموت بالزهر مثل الموت بالفحم « 5 »
كم نائم لا يراها وهي ساهرة * لولا الأماني والأحلام لم تنم « 6 »
هامش
( 1 ) المبتسم : الابتسام ويجوز أن يراد به الموضع الثغر .
( 2 ) الرقشاء : من الحيات المنقط بالسواد والبياض ، وأذى الرقشاء : سمها ، والثرم كسر السن من أصلها .
( 3 ) لم ترمل : إذا مات عنها زوجها وامنت المرأة من زوجها تئيم ، والأيم : التي لا زوج لها سواء أكانت بكرا أم كان لها زوج فقدته .
( 4 ) الادم : الجلد يقول مع أن حالها وحال الناس ما ذكرنا فإن اساءتها ما تنتهي حتى ادم عليه السلام لا ينسى كيدها إلى اخر الزمان .
( 5 ) الجنى : ما يجتنى من الشجرة ويقطف من ثمارها .
( 6 ) نائم : يريد به المغتر بالدنيا الغافل عن مصائبها وغيرها .