وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[130] .
وفي موضع آخر تراه يتحدث عن البواعث النفسية التي تدفع هؤلاء لمثل تلك المواقف فيرجعها إلى حالات من الحسد وضيق الصدر ، فيقول ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبراهيم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)[131] .
ولعل بعض هؤلاء ( لهم العذر الظاهري ) فيما يقومون به ، فإنهم يقيسون الآخرين على مقياس أنفسهم ، وإذا فعلوا ذلك لا يجدون في أنفسهم ميزة حقيقية ترفعهم على غيرهم ، فهم الخاضعون للشهوات ويعرفون ذلك من أنفسهم ، وهم الزاحفون على ركبهم في الخلوات ، وهم الذين لا يمتنعون لو رأوا محرماً مستوراً !! فكيف يختصهم الله ـ العالم بكل شيء ـ كيف يختصهم برعايته وعنايته ؟
وإذا نقلوا هذا المنظار ورأوا به غيرهم ، لم يجدوا سبباً لرعاية الله واختصاصه أولئك النفر ..
هؤلاء هم عالمون من جهة وجاهلون من أخرى ، فهم من جهة عالمون بما هم عليه من السوء ، والأخلاق غير المرضية ، ولكنهم جاهلون بغيرهم ، فهم لا يعرفون صفاء نفوس غيرهم ، وحسن أعمالهم ، وطيبة أخلاق الآخرين .. ولذلك يحق لهم أن يتعجبوا كثيراً في أنه كيف يتم اختيار هذا الشخص للنبوة وذاك للإمامة ، والثالث لكرامة الله .. وهكذا .
لكنهم لو عرفوا سر ذلك لزال تعجبهم ، فإن ما يرون من غيرهم ليس إلا المظهر ، وليس سوى القشرة الخارجية .. وإن ما يحمله هؤلاء المتعجبون من ميزات لو أدركوا أنها لا تساوي عند الله شيئاً ، لسعوا ربما لما هو مرضي عند الله ..فإن اعتمادهم على الجذور العائلية فقط وعلى الانساب , أو على الجمال البدني بمجرده أو على القوة العضلية فقط .. ليس بالضرورة أن يكون ميزة في المقياس الالهي الذي على أساسه يتقدم العباد .
ولقد سبق أن ذكرنا الموقف الذي كان من عبد الملك بن مروان عندما سمع أن الإمام السجاد قد تزوج جارية ( أو مولاة ) له .. فكان أن أرسل إلى الإمام رسالة يعاتبه على تلك الخطوة ضمن عقلية المقاييس
هامش
130 ) الزخرف:31-32
131 ) النساء:54