وإنما الصحيح أن ينظر الإنسان بعد اكتمال قدراته العقلية إلى ما بين يديه من أفكار وعقائد ، فيناقشها بالمنطق السليم ، ويلتزم منها ما هو صحيح ، تاركاً غير الصحيح .
والحق أنها عملية ليست يسيرة ، ولو كانت بهذه البساطة والسهولة لوجدت أغلب الناس يتبعون الحق وليسوا كذلك . ولا سيما عندما تكون الكثرة الاجتماعية والفئة الغالبة صاحبة فكرة معينة فإن هذا يشكل ضغطا شديداً على الإنسان ، فلا يستطيع عندها أن يخالف ما ذهبت إليه تلك الأكثرية ، وهذا ما يطلق عليه بعض علماء الاجتماع ( صنم المجتمع ) . حيث تتحول الكثرة إلى مقياس وإلى قيمة تصحح ما عندها من أفكار ، وتخطّئ غيرها من الأقليات ، لا لشيء إلا لأن هذه هي الأكثر عدداً .
وقد وجدنا القرآن الكريم ينكر على الناس هذا الاعتقاد ، فيتحدث عن الكثرة حديثاً سلبياً في هذه الجهة ، فيقول في مواضع متعددة إن أكثر الناس لا يؤمنون ، وفي مواضع أخرى أكثر ، أن أكثر الناس لا يعلمون ، وأنهم لا يشكرون . وذلك من أجل إسقاط قيمة الكثرة بما هي[8] .
المشكلة هي حين يقوم مثل هذا الشخص الذي يؤمن عن تقليد ، ويمارس عباداته عن غير معرفة وإنما ينطلق من حالة كونه ( مع الناس ) ، وأن دليله هو أن ( الناس يعملون هكذا ) بتخطئة الآخرين وتوبيخهم من دون النظر إلى أدلتهم ، وآرائهم .
ومع هذه النوعية من الناس يصعب الحوار والنقاش ، فإنه قد اتخذ موقفاً مسبقا بأن طرف الحوار خاطئ ، ولا يعلم لماذا هو خاطئ ، ويرى نفسه مصيبا ولا يعلم كيف هو مصيب ؟ فقد يكون السكوت هنا أجدى .
وهذا ما حصل للراوية الفاضلة أم سلمة . فقد روى الشيخ الصدوق في العلل ، قال : أخبرني علي بن إبراهيم بن حاتم ، قال : حدّثني علي ابن محمّد ، قال : حدّثنا العباس ابن محمّد ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن مهاجر ، عن اُمّه أم سلمة قالت :
هامش
8 ) ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرض يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ) (الأنعام:116)
ـ ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (البقرة:243)
ـ( فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود:17)
ـ( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الاَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (يوسف:21)
ـ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103)
ـ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُوراً) (الاسراء:89)