جارية بكأس وإبريق فصبّت في الكأس ثم مزجته حتى رأيت له حبابا ؛ فقال : أنشدني في مثل هذه ؛ فقلت :
يا أمير المؤمنين ، هي كما قال عدي بن زيد :
بكر العاذلون في وضح الصب
ح يقولون لي ألا تستفيق
ثم ثاروا إلى الصّبوح فقامت
قينة في يمينها إبريق
قدّمته على سلاف كريح ال
مسك صفّى سلافها الرّاووق
فترى فوقها فقاقيع كاليا
قوت يجري خلالها التصفيق [ 1 ]
قال : فشربها ولم يزل يستعيدني الأبيات ويشرب عليها حتى سكر ؛ ثم قام فتناول مرفقة من تلك المرافق فجعلها على رأسه ونادى : من يشتري لحوم البقر ؟ ثم قال لي : يا حماد ، دونك ما في البيت فهو لك ؛ فكان أوّل مال تأثّلته [ 2 ] .
حمقه خلف الأحمر وطعن في روايته :
حدّثني هاشم بن محمد الخزاعي قال / حدّثنا دماذ [ 3 ] عن أبي عبيدة قال :
قال خلف : كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول ، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها . وكان فيه حمق .
أنشد زيادا شعرا للأعشى فيه اسم أمه فغضب :
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال حدّثني المسور العنزيّ - وكان من رواة العرب وكان أسنّ من سماك بن حرب - [ عن حماد ] [ 4 ] قال :
دخلت على زياد [ 5 ] فقال لي : أنشدني ؛ فقلت : من شعر من أيها الأمير ؟ قال : من شعر الأعشى ؛ فأنشدته :
بكرت سميّة غدوة أجمالها
قال : فما أتممت القصيدة حتى تبيّنت الغضب في وجهه ؛ وقال الحاجب للناس : ارتفعوا ؛ فقاموا ؛ ثم لم أعد واللَّه إليه . قال حماد : فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنّبهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة اسم أمّ له أو ابنة أو أخت أو زوجة .
سأله الوليد عن سبب تسميته بالراوية فأجابه :
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال :
قال الوليد بن يزيد لحمّاد الراوية : لم سمّيت الراوية ؟ وما بلغ من حفظك حتى استحققت هذا الاسم ؟ فقال
هامش
[ 1 ] مر هذا البيت في ترجمة حماد هذه ( ص 77 ) على غير هذه الرواية .
[ 2 ] تأثل المال : اكتسبه .
[ 3 ] دماذ : هو أبو غسان رفيع بن سلمة صاحب أبي عبيدة . ودماذ لقب كان ينبز به .
[ 4 ] زيادة يقتضيها السياق .
[ 5 ] هو زياد ابن أبيه ، وأمه سمية .