وما يدريك ما فرس جرور [ 1 ]
وما يدريك ما حمل السّلاح
وما يدريك ما شيخ كبير
عداه الدهر عن سنن المراح
فأقسم لو ركبت الورد يوما
وليلته إلى وضح الصّباح
إذا لنظرت منك إلى مكان
كسحق [ 2 ] البرد أو أثر الجراح
قال : فأصبحت الجارية فدخلت إلى خالد فشكت إليه الأعشى ؛ فقالت : واللَّه ما تكرم ، ولقد اجترىء عليك [ 3 ] ! فقال لها : وما ذاك ؟ فأخبرته أنها مرّت برجل في وجه الصبح ، ووصفته له وأنه سبّها ؛ فقال : ذلك أعشى همدان ؛ فأيّ شيء قال لك ؟ / فأنشدته الأبيات . فبعث إلى الأعشى ، فلما دخل عليه قال له : ما تقول ؟ هذه زعمت أنك هجوتها ؛ فقال : أساءت سمعا ، إنما قلت :
مررت بنسوة متعطَّرات
كضوء الصبح أو بيض الأداحي [ 4 ]
على شقر البغال فصدن قلبي
بحسن الدّلّ والحدق الملاح
فقلت من الظباء فقلن سرب
بدا لك من ظباء بني رياح
فقالت : لا واللَّه ، ما هكذا قال ، وأعادت الأبيات ؛ فقال له خالد : أما إنّها لولا أنّها قد ولدت منّي لو هبتها لك ، ولكنّي أفتدي جنايتها بمثل ثمنها ، فدفعه إليه وقال له : أقسمت عليك يا أبا المصبّح ألَّا تعيد في هذا المعنى شيئا بعد ما فرط منك .
وذكر هذا الخبر العنزيّ في روايته التي قدّمت ذكرها ، ولم يأت به على هذا الشرح .
خبره مع خالد بن عتاب بن ورقاء الرياحي :
وقال هو وابن النّطَّاح جميعا :
وكان خالد يقول للأعشى في بعض ما يمنّيه إيّاه ويعده به : إن ولَّيت عملا كان لك ما دون الناس جميعا ، فمتى استعملت فخذ خاتمي واقض في أمور الناس كيف شئت . قال : فاستعمل خالد على أصبهان وصار معه الأعشى ، فلما وصل إلى عمله جفاه وتناساه ، ففارقه الأعشى ورجع إلى الكوفة وقال فيه :
تمنّيني إمارتها تميم
وما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمان أخا لي
ولكنّ الشّراك [ 5 ] من الأديم
أتينا أصبهان فهزّلتنا
وكنّا قبل ذلك في نعيم
/ أتذكرنا ومرّة إذ غزونا
وأنت على بغيلك ذي الوشوم
/ ويركب رأسه في كل وحل
ويعثر في الطريق المستقيم
هامش
[ 1 ] الفرس الجرور : الذي لا ينقاد ولا يكاد يتبع صاحبه .
[ 2 ] السحق : الثوب البالي ، ويضاف للبيان فيقال : سحق برد وسحق عمامة .
[ 3 ] في ب ، س : « . . . ولقد اجترأ » .
[ 4 ] الأداحي : جمع أدحية وهي مبيض النعام في الرمل .
[ 5 ] الشراك : أحد سيور النعل التي تكون على وجهها .