سمع أبو ريحانة جارية تغني فشق قربتها واشترى لها عوضها :
أخبرني إسماعيل قال حدّثني عمر بن شبّة قال :
مرّت جارية بأبي ريحانة يوما على ظهرها قربة وهي تغنّي وتقول :
وأبكى فلا ليلى بكت من صبابة
إليّ ولا ليلى لذي الودّ تبذل
وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنبا
وإن أذنبت كنت الذي أتنصّل
فقام إليها فقال : يا سيّدتي أعيدي ؛ فقالت : مولاتي تنتظرني والقربة على ظهري ؛ فقال : أنا أحملها عنك ؛ فدفعتها إليه فحملها ، وغنته الصوت ، فطرب فرمى بالقربة فشقّها . فقالت له الجارية : أمن حقّي أن أغنّيك وتشقّ قربتي ! فقال لها : لا عليك ، تعالي معي إلى السّوق ؛ فجاءت معه فباع ملحفته واشترى لها بثمنها قربة جديدة . فقال له رجل : يا أبا ريحانة ، أنت واللَّه كما قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) * ؛ فقال : بل أنا كما قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ُ ) * .
مر بأبي ريحانة المدني وهو في الشمس من البرد فغنى له فشق ثوبه وبقي في البرد :
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني أبو العيناء قال قال إسحاق الموصليّ :
بلغني أنّ أبا ريحانة المدنيّ كان جالسا في يوم شديد البرد وعليه قميص خلق رقيق ؛ فمرّ به سياط المغنّي فوثب إليه وأخذ بلجامه وقال له : يا سيّدي ، بحق القبر ومن فيه غنّني صوت ابن جندب ، فغنّاه [ 1 ] :
فؤادي رهين في هواك ومهجتي
تذوب وأجفاني عليك همول
/ فشقّ قميصه حتى خرج منه وبقي عاريا وغشي عليه ، واجتمع الناس حوله وسياط واقف / متعجّب مما فعل . ثم أفاق وقام إليه ؛ فرحمه سياط وقال له : مالك يا مشئوم ؟ أيّ شيء تريد ؟ قال : غنّني باللَّه عليك :
سودّع أمامة حان منك رحيل
إنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل القضيب تمايلت أعطافه
فالريح تجذب متنه فيميل
إن كان شأنكم الدلال فإنه
حسن دلالك يا أميم جميل
فغنّاه إياه ؛ فلطم وجهه ثم خرج الدم من أنفه ووقع صريعا . ومضى سياط ، وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس . فلما أفاق قيل له : ويحك ! خرقت قميصك وليس لك غيره ! فقال : دعوني ، فإن الغناء الحسن من المغنّي المطرب أدفأ للمقرور من حمّام المهديّ إذا أوقد سبعة أيام . قال : ووجّه له سياط بقميص وجبّة وسراويل وعمامة .
زاره إبراهيم الموصلي وابن جامع في مرضه فأوصى بالمحافظة على غنائه :
أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثني أبو أيّوب المدنيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه الخزاعيّ وحمّاد بن إسحاق جميعا عن إسحاق قال :
كان سياط أستاذ أبي وأستاذ ابن جامع ومن كان في ذلك العصر . فاعتلّ علة ، فجاءه أبي وابن جامع يعودانه .
فقال له أبي : أعزز عليّ بعلتك أبا وهب ! ولو كانت مما يفتدى لفديتك منها . قال : كيف كنت لكم ؟ قلنا : نعم
هامش
[ 1 ] كذا في ح . وفي سائر الأصول : « فغناه وقال . . . إلخ » . والظاهر أن كلمة « وقال » مقحمة من الناسخ .