قال: أما قول أمير المؤمنين إن قريشا كرهت فإن الله تعالى قال (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)[389] وأما قولك إنا كنا نجخف فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة و لكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله الذي قال الله تعالى فيه (وَإِنَّكَ لَعَلىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ)[390] وقال له) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ)[391].
و أما قولك فإن قريشا اختارت فإن الله تعالى يقول(ورَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَ يَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ [392](وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت و أصابت قريش.
فقال عمر: على رسلك يا بن عباس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشّاً في أمر قريش لا يزول و حقدا عليها لا يحول!
فقال ابن عباس: مهلا يا أمير المؤمنين لا تنسب هاشما إلى الغش فإن قلوبهم من قلب رسول الله الذي طهره الله و زكاه وهم أهل البيت الذين قال الله تعالى لهم(إِنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أهل البيت وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[393] و أما قولك حقدا فكيف لا يحقد من غُصب شيئُه و يراه في يد غيره.
فقال عمر: أما أنت يا بن عباس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي!
قال: وما هو يا أمير المؤمنين أخبرني به فإن يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه وإن يك حقا فإن منزلتي عندك لا تزول به.
قال: بلغني أنك لا تزال تقول أخذ هذا الأمر منك حسدًا وظلمًا قال أما قولك يا أمير المؤمنين حسدًا فقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنة فنحن بنو آدم المحسود.
وأما قولك ظلمًا فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو.
ثم قال: يا أمير المؤمنين ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله ص فنحن أحق برسول الله من سائر قريش.
فقال له عمر: قم الآن فارجع إلى منزلك!
فقام فلما ولى هتف به عمر أيها المنصرف إني على ما كان منك لراع حقك.!
فالتفت ابن عباس فقال:إن لي عليك يا أمير المؤمنين وعلى كل المسلمين حقا برسول الله ص فمن حفظه فحق نفسه حفظ و من أضاعه فحق نفسه أضاع ثم مضى."
والحق يقال: أنه لم يكن أحد ــ بعد المعصوم ــ يستطيع أن يؤدي هذا الأداء البديع، من قوة الحجة وشجاعة الموقف والقدرة على النفوذ إلى الأسباب الحقيقية، ونقض أفكار الخصم، كما أدّاه ابن عباس! كيف لا وهو تلميذ علي عليه السلام، وحامل علمه ؟
ابن عباس أيام عثمان:
تشكى الخليفة عثمان من ابن عباس أمام والده العباس[394]، متهما إياه بأنه يتماشى مع علي في قطيعة رحمه وأنه يحرض عليه، وأنه لقرابته من بني هاشم ينبغي ألّا يكونوا معه أقل مما كانوا مع الخلفاء السابقين!!
هامش
389 ) سورة محمد / 9
390 ) سورة ن / 5
391 ) سورة الشعراء / 215
392 (سورةالقصص / 68
393 ) سورة الأحزاب / 33
394 ) البلاذري ؛ أنساب الأشراف 5/498 قال: إن عثمان شكى عليا إلى العباس فقال له: يا خال إن عليا قد قطع رحمي وألب الناس ابنُك والله لئن كنتم يا بني عبد المطلب أقررتم هذا الأمر في أيدي بني تيم وعدي،فبنو عبد مناف أحق ألّا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليهم..).