صوت
أريت اليوم نارك لم أغمّض
بواقصة [ 1 ] ومشربنا برود [ 2 ]
فلم أر مثل موقدها ولكن
لأيّة نظرة زهر [ 3 ] الوقود
فبتّ بليلة لا نوم فيها
أكابدها وأصحابي رقود
كأن نجومها ربطت بصخر
وأمراس [ 4 ] تدور وتستزيد [ 5 ]
فقال له المأمون : لمن هذا الصوت ؟ فقال : لهذا الجالس - وأشار إلى إسحاق - فقال لعلَّويه : أعده فأعاده ، فشرب عليه رطلا ؛ ثم قال لإسحاق . غنّه فغنّاه ، فلم / يطرب له طربه لعلَّويه . فألتفت إليّ إسحاق ثم قال لي : أيها الأمير ، لولا أنه مجلس سرور وليس مجلس لجاج وجدال لأعلمته أنه طرب على خطأ ، وأنّ الذي استحسنه إنما هو تزايد [ 6 ] منهما يفسد قسمة اللحن وتجزئته ، وأنّ الصوت ما غنّيته لا ما زادا [ 7 ] . ثم أقبل عليهما فقال : يا مخنّثان [ 8 ] ، قد علمت أنكما لم تريدا بما فعلتماه مدحي ولا رفعتي ، وأنا على مكافأتكما قادر ؛ فضحك المأمون وقال له : ما كان ما رأيته من طربي لهما إلَّا استحسانا لأصواتهما لا تقديما لهما ولا جهلا بفضلك .
دخل على المعتصم وبين يديه صيد فغناه فطرب وأجازه :
حدّثني عمّي قال حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك الخزاعيّ قال حدّثني إسحاق قال :
دخلت يوما على المعتصم وقد رجع من الصيد وبين يديه ظباء مذبّحة وطير ماء وغير ذلك من الصيد وهو يشرب ؛ فأمرني بالجلوس والغناء ؛ فجلست وغنّيته :
صوت
اشتهينا في ربيع مرّة
زهم [ 9 ] الوحش على لحم الإبل
فغدونا بطوال هيكل [ 10 ]
كعسيب النخل ميّاد خضل
هامش
[ 1 ] واقصة : منزل بطريق مكة بعد القرعاء نحو مكة ، وقيل : العقبة لبني شهاب من طيء ، ويقال لها : واقصة الحزون ، وهي دون زبالة بمرحلتين . ( انظر « معجم البلدان » لياقوت في اسم واقصة ) .
[ 2 ] البرود : البارد .
[ 3 ] زهر الوقود : أضاءت ناره .
[ 4 ] الأمراس : الحبال .
[ 5 ] كذا في الأصول « تستزيد » بالزاي المعجمة . ولعلها « تستريد » بالراء المهملة . وتستريد : تذهب وتجيء ؛ إذ الشاعر يريد أن يصف ليلته بالطول حتى كأن نجومها ربطت بأمراس شدّت بصخر فهي تدور وترجع إلى حيث كانت ولا تغور .
[ 6 ] يقال : تزايد فلان في كلامه وتزيد : إذا تكلف الزيادة فيه وجاوز ما ينبغي .
[ 7 ] كذا في أ ، ح ، م . وفي باقي الأصول : « زاد » بدون ألف بعد الدال .
[ 8 ] في الأصول : « يا مخنثين » بالياء .
[ 9 ] الزهم ( بالتحريك ) : شحم الوحش من غير أن يكون فيه زهومة ، أي كراهة ريح أو تغير .
[ 10 ] الهيكل : الضخم من كل الحيوان .