وتحت هذين البيتين : « تقدّم - جعلت فداك - إلى من بخصرتك من المغنّين بأن يغنّوا في هذين البيتين ، وألق جميع ما يصنعونه على فلانة ؛ فإذا أخذته فأنفذها إليّ مع رسولي » ؛ فقلت : السمع والطاعة لأمر الأمير أعزّه اللَّه ، فهل صنع فيهما أحد قبلي ؟ فقال : نعم ، إسحاق الموصليّ ؛ فقلت : واللَّه لو كلَّف إبليس أن يصنع فيهما صنعة يفضل إسحاق فيها بل يساويه بل يقاربه ، ما قدر على ذلك ولا بلغ مبلغه ؛ فضحك حتى استلقى ، وقال : صدقت واللَّه ! وهكذا يقول من / يعقل لا كما يقول / هؤلاء الحمقى ، ولكن اصنع فيهما على كل حال كما أمر ؛ فقلت : أفعل وقد برئت من العهدة ؛ فانصرفت فصنعت فيهما صنعة كانت واللَّه عند صنعة إسحاق بمنزلة غناء القرّادين .
أخبره أحد الخلفاء بظهور الشيب فيه فبكى وقال في ذلك شعرا وغنى فيه :
حدّثني جحظة قال حدّثني ميمون قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال :
قال لي المعتصم أو قال لي الواثق : لقد ضحك الشّيب في عارضيك ؛ فقلت : نعم يا سيّدي ، وبكيت ؛ ثم قلت أبياتا في الوقت وغنّيت فيها :
تولَّى شبابك إلا قليلا
وحلّ المشيب فصبرا جميلا
كفى حزنا بفراق الصّبا
وإن أصبح الشيب منه بديلا
ولمّا رأى الغانيات المشي
ب أغضين دونك طرفا كليلا
سأندب عهدا مضى للصّبا
وأبكي الشباب بكاء طويلا
فبكى الواثق وحزن وقال : واللَّه لو قدرت على ردّ شبابك لفعلت بشطر ملكي ؛ فلم يكن لكلامه عندي جواب إلا تقبيل البساط بين يديه .
جهد المغنون أن يأخذوا لحنا له فلم يستطيعوا أن يفوا به :
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني حمدون بن إسماعيل قال : لمّا صنع أبوك لحنه في :
قف بالديار التي عفا القدم
وغيّرتها الأرواح [ 1 ] والدّيم
رأيتهم ( يعني المغنّين ) يأخذونه عنه ويجهدون فيه ؛ فتوفّي واللَّه وما أخذوا منه إلا رسمه .
نسبة هذا الصوت
صوت
قف بالديار التي عفا القدم
وغيّرتها الأرواح والدّيم
لمّا وقفنا بها نسائلها
فاضت من القوم أعين سجم [ 2 ]
هامش
[ 1 ] الأرواح : جمع ريح كالأرياح والرياح .
[ 2 ] سجم : جمع سجوم ، يقال : سجمت العين الدمع ( من بابي ضرب وقعد ) : أسالته قليلا كان أو كثيرا ، فالعين ساجمة وسجوم .
ويقال : سجم الدمع ( من باب قعد ) : سال ، فالفعل لازم متعد .