لمّا جاء ابن حزم عمله من قبل سليمان بن عبد الملك على المدينة والحجّ ، جاءه ابن أبي جهم بن [ 1 ] حذيفة وحميد بن عبد الرحمن بن عوف وسراقة ، فدخلوا عليه / فقالوا له : إيه يا ابن حزم ! ما الذي جاء بك ؟ قال :
استعملني واللَّه أمير المؤمنين على المدينة على رغم أنف من رغم أنفه . فقال له ابن أبي جهم : يا ابن حزم ، فإنّي أوّل من يرغم من ذلك أنفه . قال فقال ابن حزم : صادق ، واللَّه يحبّ الصّادقين . فقال الأحوص :
سليمان إذ ولَّاك ربّك حكمنا
وسلطاننا فاحكم إذا قلت واعدل
يؤمّ حجيج المسلمين ابن فرتني
فهب ذاك حجّا ليس بالمتقبّل
فقال ابن أبي عتيق [ 2 ] للأحوص : الحمد للَّه يا أحوص ، إذ لم أحجّ ذلك العام بنعمة ربّي وشكره . قال :
الحمد للَّه الذي صرف ذلك عنك يا بن أبي بكر الصّدّيق ، فلم يضلل دينك ، ولم تعنّ [ 3 ] نفسك ، وتر ما يغيظك ويغيظ المسلمين معك .
وفد على الوليد وتعرّض للخبازين فأمر عامل المدينة بجلده :
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه عن عمّه موسى بن عبد العزيز قال :
وفد الأحوص على الوليد بن عبد الملك وامتدحه ، فأنزله منزلا ، وأمر بمطبخه أن يمال عليه ؛ ونزل على الوليد بن عبد الملك شعيب بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاصي ، فكان الأحوص يراود وصفاء للوليد خبّازين عن [ 4 ] أنفسهم ويريدهم أن يفعلوا به . وكان شعيب قد غضب على مولى له ونحاه . فلمّا خاف الأحوص أن يفتضح بمراودته الغلمان ، اندسّ لمولى شعيب ذلك فقال : ادخل على أمير المؤمنين فاذكر له أنّ شعيبا أرادك عن نفسك ، ففعل المولى . فالتفت الوليد إلى شعيب / فقال : ما يقول هذا ؟ فقال : لكلامه غور [ 5 ] يا أمير المؤمنين ، فاشدد به يدك يصدقك . فشدد عليه ، فقال : أمرني بذلك الأحوص . فقال قيّم الخبّازين : أصلحك اللَّه ! إنّ الأحوص يراود الخبّازين عن أنفسهم . فأرسل به الوليد إلى ابن حزم بالمدينة ، وأمره أن يجلده مائة ، ويصبّ على رأسه زيتا ، ويقيمه على البلس [ 6 ] ؛ ففعل ذلك به . فقال وهو على البلس أبياته التي يقول فيها :
ما من مصيبة نكبة أمنى [ 7 ] بها
إلَّا تشرّفني وترفع [ 8 ] شأني
هامش
[ 1 ] كذا في ط ، ء ، وهو الموافق لما في « تاريخ الطبري » ، وهو أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ، كما في « تهذيب التهذيب » . وفي ب ، س ، ح : « ابن أبي جهم حذيفة » بدون ذكر « ابن » وهو خطأ . وفي م : « ابن خذيفة » بالخاء المعجمة ، وهو تصحيف .
[ 2 ] أبو عتيق : لقب محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر .
[ 3 ] كذا في ح ، م . وعنّى نفسه وأعناها : أنصبها وكلفها ما يشق عليها . وفي سائر الأصول : « وتغر نفسك » .
[ 4 ] في جميع الأصول : « على أنفسهم » .
[ 5 ] أي في كلامه معنى خفيّ غير واضح .
[ 6 ] البلس ( بضمتين ) : جمع بلاس كسحاب ، وهي غرائر كبار من مسوح يجعل فيها التين ويشهر عليها من ينكل به ويناذي عليه . ومن دعائهم : « أرانيك اللَّه على البلس » .
[ 7 ] في ط ، ء : « أعيا » . وفي « ديوان الحماسة » :ما تعتريني من خطوب ملمة
إلا تشرفني وتعظم شانيوأوّل الأبيات فيه :إني على ما قد علمت محسّد
أنمى على البغضاء والشنآن[ 8 ] في ط ، ء : « وتعظم » .