- كما رواه جماعة منهم ثقة الإسلام الكليني رحمه اللّه ، عن عليّ بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة ؛ قال : قيل لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إنّ الناس يروون أنّ عليّا عليه السّلام قال على منبر الكوفة - :
أيّها النّاس إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ! ! ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرأوا منّي » « 1 » .
فقال [ عليه السّلام ] : « ما أكثر ما يكذب الناس على عليّ عليه السّلام » .
ثمّ قال : إنّما قال : « ستدعون إلى سبّي فسبّوني ثمّ تدعون إلى البراءة منّي وإنّي لعلى دين محمّد » .
ولم يقل « ولا تبرؤوا منّي » « 2 » .
هامش
( 1 ) أي بقلوبكم وضمائركم تخلّصا من أضرار أعدائي ورغبة فيما عندهم من متاع الحياة الدنيا وركونا إلى ما عندهم من الشوكة وقضاء الشهوات .
هذا هو المعنى الحقيقي للبراءة المنهيّ عنها ، لا إظهار البراءة والنطق بها عند الاضطرار مع اطمئنان القلب على الإيمان وعقده على خلاف ما أجرى على لسانه للخلاص من بطش الطواغيت وبأس الظالمين .
ولمّا توهّم السائل أن معنى قوله عليه السّلام : « لا تبّرؤ منّي » لا تلفظوا بالبراءة منّي ولا تجروا هذه اللفظة على لسانكم . دفع الإمام الصادق هذا ونفى أن يكون جدّه قد أمر به وأوصى شيعته المضيّ عليه .
والدليل على ما فسّرناه هو ذيل الحديث من الاستشهاد بقصة عمار بن ياسر وقال المجلسي رفع اللّه مقامه في مرآة العقول : ويمكن الجمع بينها [ أي الأخبار الواردة في المقام ] بحمل البراءة المنهي عنها على البراءة القلبية ، والمجوّزة على [ البراءة ] اللفظية . . .
( 2 ) أي لم يقل أمير المؤمنين لا تبرؤا منّي بلسانكم مع اطمئنان قلوبكم بالإيمان من ولايتي ومحبتي .
وممّا يؤيّد هذا الذيل ما رواه أبو العرب محمد بن أحمد التميمي - المتوفى ( 333 ) - في عنوان . « ما امتحن به عبداللّه بن زرين ؟ » من كتاب المحن ص 339 ط 2 قال :
حدثني محمد بن علي قال : حدثنا عبد اللّه بن عمر بن عليّ الدّعشي عن سعيد بن كثير بن عفير البصري قال : حدّثني ابن زرير الغافقي ممن خرج إلى عليّ بن أبي طالب فكان معه وكان في مائتي دينار ، فقال له عبد العزيز بن مروان - وهو أمير مصر - : سبّ عليّا .
فسبّه ، ثم قال : تبرّأ منه . فقال : معاذ اللّه إنّ عليّ ابن أبي طالب قال [ لنا ] : أما إنكم ستدعون إلى سبّي فاحفظوا دماءكم بسبّي وسترادون على البراء منّي وإني على الإسلام .
أقول : وللرّواية ذيل علقناه على الحديث : ( 1446 ) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السّلام من تاريخ دمشق : ج 3 ص 235 ط 2 .