يا كميل ! إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها « 1 » إحفظ عنّي ما أقول لك « 2 » ، النّاس ثلاثة : عالم ربّانيّ « 3 » ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ، أتباع كلّ ناعق « 4 » يميلون مع كلّ ريح « 5 » لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم
هامش
41 ، الطبعة الخامسة - بيروت ] إنّ النّاس يعبدون اللّه عزّ وجلّ على ثلاثة أوجه :
فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه ، فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع [ طمع « ظ » ] ، وآخرون يعبدونه خوفا من النّار ، فتلك عبادة العبيد ، وهي رهبة ، ولكني أعبده حبّا له عزّ وجلّ فتلك عبادة الكرام .
فالامام لأجل أهليته تعالى للعبادة وكونه مستحقا لها ، أحبّه وعبده حبّا له تعالى .
( 1 ) أي أحفظها للعلم ، وأجمعها ضبطا للحكم والمعارف ، وأشدّها وعيا للاسرار ، وهذا تمهيد وتوطئة منه عليه السّلام لاقبال كميل بكلّه عليه ، وصرفه عمن عداه ، ليتحفّظ على ما يلقيه إليه ، ويلقّنه به ، ولا يتفلّت منه شيء مما أوصاه وأخبره به ، من فرائد الحكم ، وجواهر الكلم . والأوعية جمع الوعاء ، وهو الظرف وما أعد لأن يوضع فيه الشيء .
( 2 ) وفي العقد الفريد والنهج : فاحفظ عني ما أقول لك . . . وهو أظهر .
( 3 ) وفي الارشاد والنهج : فعالم ربّاني .
( 4 ) أقول : الرّبّانيّ منسوب إلى الرّبّ - بزيادة الألف والنون للمبالغة في النسبة على خلاف القياس كالرقباني - ولعل وجه نسبته إلى الربّ انّه جمع بين العلم باللّه وبما يليق بذاته المقدسة ، والعمل بما يحبّ اللّه ويرضاه .
وقال الجواهري والفيروزآبادي : الرباني : المتألّه العارف باللّه تعالى . وقال الطبرسي رحمه اللّه : الرّبّانيّ هو الّذي يربّ أمر النّاس بتدبيره وإصلاحه . وقال الزمخشري في الكشاف : الربّاني هو شديد التمسك بدين اللّه تعالى وطاعته .
والهمج - محركة جمع همجة بالتحريك أيضا - : الحمقى ورذال النّاس ورعاعهم .
والرعاع - كسحاب - : هم السّفلة والأنذال والأحداث الطغام من النّاس ، وهو كالتفسير لقوله عليه السّلام : همج . وأيضا يقال لضرب من البعوض : الهمج ، وكذلك للذباب الصّغير الذي يقع على وجوه الغنم والحمير وأعينهما ، قيل : ويستعار للاسقاط والجهلة من النّاس .
والنعيق : صوت الراعي بغنمه ، ولصوت الغراب أيضا يقال : النعيق وفي أفراد القسمين الأوّلين ، وجمع القسم الثالث إيماء إلى قلّتهما وكثرة القسم الثالث .
ومراده عليه السّلام أنّ القسم الثالث - وهو السواد الأعظم - لعدم تمييزهم بين والباطل ، والصّدق والكذب ، يتبعون كلّ داع ويعتقدون بكلّ مدّع ، ويصغون إلى كلّ صوت ، ولو كان لراعي الأنعام والمواشي ، المنهمك في غواشي الجهالة والضلالة ، والجمل التالية لقوله عليه السّلام : أتباع كلّ ناعق - إلى قوله : ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق - صفات توضيحية ، وبيان لمّا يلازم الموصوف في الخارج وعالم الدنيا .
( 5 ) وفي العقد الفريد : مع كلّ ريح يميلون . . .