إذا بلغ العشب إبّانه « 1 » ، واستوى بنانه « 2 » هاجت ريح تحت الورق ، وتفرّق ما اتّسق ، فأصبحت - كما قال اللّه -
هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
« 3 » انظروا في الدّنيا في كثرة ما يعجبكم وقلّة ما ينفعكم .
انتهى الحديث 3 ، من روضة الكافي - روضة الكافي - الحديث 3 .
ورواه عنه الفيض الكاشاني رحمه اللّه في المختار 1 من باب مواعظه عليه السّلام من كتاب الوافي الفيض الكاشاني - الوافي - باب مواعظه عليه السّلام المختار 1 : 4 ، 62 : 4 ، 62 .
هامش
( 1 ) العشب - كقفل - : الكلأ الرطب وإبّان الشيء : أوانه أو أوّله ، ومنه الحديث : كل الفواكه في إبانّها .
( 2 ) وفي تنبيه الخواطر والوافي : واستوى نباته .
( 3 ) الآية 45 من سورة الكهف .
والهشيم فعيل بمعنى مفعول من قوله : هشم ( من باب ضرب ) هشما الشيء أي كسره ، إلّا إنّه يختص بكسر الشيء اليابس أو المجوف ، وتذروه أي تطيّره وتفرّقه في كلّ جهة ، وتجعله هباء منثورا .
ولطافة هذه الوصيّة الشريفة ، والكلام القدسي لا تدرك كما هي إلّا بذكر تمام الآية الشريفة ، وبذكرها والمقايسة بينهما تتجلّى صحة ما قيل في وصف كلامه عليه السّلام :
من أنّه دون كلام الخالق ، وفوق كلام الخلوق فأقول تمام الآية الكريمة هكذا :وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً.
فدقق النظر كيف بيّن عليه السّلام تأثير الماء النازل من السماء في التراب القابل بقوله عليه السّلام : « فهي كروضة اعتمّ مرعاها وأعجبت من يراها » .
وكيف كشف عليه السّلام عن حال النباتات في أوان اشتدادها ، وحال ريعانها وأوقات اخضرارها بقوله : « تمج عروقها الثرى وتنطف فروعها النّدى . . . » وكيف شرح عليه السّلام عاقبة أمرها وما تؤول إليه من الانكسار والتّشتت في أيدي الدّواب والأنعام ، ومن تفريقه وتطييره بكل ريح ونسيم يهيج ، بقوله : « هاجت ريح تحت الورق وتفرّق ما اتّسق . . . » .