ورواه الشريف الرضي في نهج البلاغة قال : ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الأنصاري ، وهو عامله على المدينة في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية :
أمّا بعد فقد بلغني أنّ رجالا من قبلك يتسلّلون إلى معاوية « 4 » ، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ، ويذهب عنك من مددهم ، فكفى لهم غيّا - ولك منهم شافيا - فرارهم من الهدى والحقّ ، وإيضاعهم إلى العمى والجهل « 5 » ، وإنّما هم أهل دنيا مقبلون عليها ومهطعون إليها « 6 » ، وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه ، وعلموا أنّ النّاس عندنا في الحقّ أسوة ، فهربوا إلى الأثرة « 7 » فبعدا لهم وسحقا ! ! إنّهم - واللّه - لم ينفروا من جور ،
هامش
( 4 ) قبل - على زنة عنب بمعنى - عند . و « يتسللون » : يذهبون في استخفاء واستتار بحيث لا يشعر بهم أحد . ومنه قوله تعالى في شأن قوم كانوا يهربون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بلا استيذان منه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :« قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً »الآية ( 63 ) من سورة النور : 24 .
( 5 ) الغي : الضلال . و « إيضاعهم » : إسراعهم . أي كفى في ضلالهم وفي الدلالة عليه ، فرارهم من الحق والهدى ، وإسراعهم إلى الباطل والجهل والعمى . وهما أيضا كافيان في شفاء المجتمع عن داء المنافقين والضالين لأن الضلالة - أو الضالين بأنفسهم - جرثومة المرض ، فلو حلّت واستقرّت في موطن فربما تسري إلى الأبرياء فتستأصلهم ، فزوال الضلالة عن محل - أو فرار الضالين من بين أظهر مجتمع الصدق والايمان - كاف في شفاء ذلك المجتمع ونقاء موطنهم عن المرض المسري ، وجرثومة الهلاك والدمار ، فلا ينبغي لرئيس ذلك المجتمع أن يتأسف من لحوق المفسدين ذوي أمراض مهلكة بأشكالهم ، وانحيازهم عن صف الأصحّاء ، وموطن الأبرياء وأهل الصدق والصفاء .
( 6 ) مهطعون : مسرعون . وما أشبه هذا التعبير بقوله عليه السلام : « الناس أبناء الدنيا » وبقول ولده السبط الشهيد عليه السلام : « الناس أبناء الدنيا والدين لعق على ألسنتهم » .
( 7 ) الأثرة - محركة كفرسة - : اختصاص النفس بالشيء وايثاره على غيرها من النفوس .
أو هي حب النفس المفرط الذي يوجب اختصاصها بالشيء وتفضيلها وترجيحها على غيره .