قفر تلوح بذي اللَّجين [ 1 ] كأنها
أنضاء [ 2 ] وشم [ 3 ] أو سطور كثاب
لمّا وقفت بها القلوص تبادرت
منّي الدموع لفرقة الأحباب
وذكرت عصرا يا بثينة شاقني
إذ فاتني وذكرت شرخ شبابي [ 4 ]
الشعر لجميل . والغناء للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق .
أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللَّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن يحيى المكيّ عن أبيه قال حدّثني عمرو [ 5 ] بن أبي الكنّات الحكميّ قال حدثني يونس الكاتب قال :
/ كنّا يوما متنزّهين بالعقيق أنا وجماعة من قريش ، فبينا نحن على حالنا إذ أقبل ابن عائشة يمشي ومعه غلام من بني ليث وهو متوكَّىء على يده ، فلما رأى جماعتنا وسمعني أغنّي جاءنا فسلَّم وجلس إلينا وتحدّث معنا ، وكانت الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغنّي ، فأقبل بعضهم على بعض يتحدّثون بأحاديث كثيّر وجميل وغيرهما من الشعراء ، يستجرّون بذلك أن يطرب فيغنّي ، فلم يجدوا عنده ما أرادوا ، فقلت لهم أنا : لقد حدّثني اليوم بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث ، فإن شئتم حدّثتكم إياه ؛ قالوا : هات ؛ قلت : حدّثني هذا الرجل أنه مرّ بناحية الرّبذة [ 6 ] فإذا صبيان يتغاطسون [ 7 ] في غدير ، وإذا شابّ جميل منهوك الجسم عليه أثر العلَّة ، والنحول في جسمه بيّن ، وهو جالس ينظر إليهم ، فسلَّمت عليه فردّ عليّ السلام وقال : من أين وضح [ 8 ] الراكب ؟ قلت : من الحمى ؛ قال : ومتى عهدك به ؟ قلت : رائحا ؛ قال : وأين كان مبيتك ؟ قلت : ببني فلان ؛ فقال : أوّه ! وألقى بنفسه على ظهره وتنفّس الصّعداء تنفّسا قلت إنه قد خرّق حجاب قلبه ؛ ثم أنشأ يقول :
صوت
سقى بلدا أمست سليمى تحلَّه
من المزن ما يروى به ويسيم [ 9 ]
هامش
[ 1 ] لم نقف في « معجم ياقوت » ولا « معجم ما استعجم » للبكريّ ولا في « لسان العرب » ولا « تاج العروس » على أن اللجين أو ذا اللجين اسم موضع .
[ 2 ] الأنضاء : جمع نضو وأصله البعير المهزول أو المهزول من جميع الدواب ويطلق على ما بقي من الرسم لقلته وأخذه في الذهاب ، كما أطلق على ما بقي من النبات في قول الشاعر :ترعى أناص من حريز الحمضفأناض هنا جمع انضاء الذي هو جمع نضو .
[ 3 ] كذا في نسخة نص عليها بهامش نسخة أ . وفي جميع النسخ : « رسم » وقد رجحنا الرواية الأولى لما هو مألوف عند العرب من هذه التشبيهات ، ومنها قول طرفة :لخولة أطلال ببرقة ثهمد
تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد[ 4 ] شرخ الشباب : أوّله ونضارته وقوّته .
[ 5 ] كذا في ح و « نهاية الأرب » للنويري ج 4 ص 326 وفيما جاء في ترجمته من كتاب « الأغاني » ج 18 ص 126 طبع بولاق . وفي سائر الأصول هنا : « عمر » بدون واو .
[ 6 ] الربذة : قرية على ثلاثة أميال من المدينة وبها قبر أبي ذرّ الغفاريّ رضي اللَّه عنه .
[ 7 ] في ح : « يتغامسون » ولم نجد هذه الصيغة في « كتب اللغة » والموجود منه المغامسة وهي المفاعلة من غمسه في الماء إذا غطه ، وقد فسر صاحب « اللسان » قوله وهما يتغاطسان في الماء فقال أي يتقامسان فيه .
[ 8 ] أي من أين بدا وطلع .
[ 9 ] يقال : سامت الإبل إذا رعت وأسامها صاحبها ، أي أرعاها ، ولعله يريد بقوله : « ويسم » أن يكون صالحا للإسامة بما يكون فيه من