كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال : هذا شعر تهاميّ إذا أنجد [ 1 ] وجد البرد ، حتى أنشد قوله :
/ رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
قليلا على ظهر المطيّة ظلَّه
سوى ما نفى عنه الرداء المحبّر [ 2 ]
وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة
وريّان ملتفّ الحدائق أخضر
ووال كفاها كلّ شيء يهمّها
فليست لشيء آخر الليل تسهر
فقال جرير : ما زال هذا القرشيّ يهذي حتى قال الشعر .
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد اللَّه اليماميّ قال حدّثني الأصمعيّ قال :
قال لي الرشيد : أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوّحه [ 3 ] السّفر ، فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة :
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت
فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفت
به فلوات فهو أشعث أغبر
. . . الأبيات كلَّها . قال : فقال لي الرشيد : أنا واللَّه ذلك الرجل . قال : وهذا بعقب قدومه من بلاد الرّوم .
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحيّ أبو خليفة في كتابه إليّ : قال حدّثنا محمد بن سلَّام قال أخبرني شعيب بن صخر قال :
كان بين عائشة بنت طلحة وبين زوجها عمر بن عبيد اللَّه بن معمر كلام ، فسهرت ليلة فقالت : إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث / يقول :
ووال كفاها كلّ شيء يهمّها
فليست لشيء آخر الليل تسهر
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان قال حدّثني إسحاق عن المدائنيّ قال :
/ عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرّة ، فمرّ به رجل من أهل الشأم معه ترس [ 4 ] خلق سمج ، فنظر إليه يزيد وضحك وقال له : ويحك ! ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك . يريد قول عمر :
فكان مجنّي دون من كنت أتّقي
ثلاث شخوص كاعبان ومعصر [ 5 ]
أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن مالك الخزاعيّ قال : سمع أبو الحارث جمّيز [ 6 ] مغنّية تغنّي :
هامش
[ 1 ] كذا في ت ، ح ، ر ، وكتاب « الموشح للمرزباني » المخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم 3293 أدب . وفي سائر النسخ « أنشد » .
[ 2 ] المحبّر : المزيّن المحسّن .
[ 3 ] لوّحه السفر : غيره .
[ 4 ] الترس : صفحة من الفولاذ مستديرة تحمل للوقاية من السيف ونحوه . والخلق ( بالتحريك ) : البالي ، يقال للمذكر والمؤنث ؛ يقال :
ثوب خلق وجبّه خلق . والمسج ( بسكون الميم وكسرها ) : القبيح .
[ 5 ] المجن : الترس . وحذفت هاء التأنيث من العدد حملا على المعنى ؛ لأنه أراد بالشخص المرأة . والكاعب : التي نهد ثديها .
والمعصر : التي دخلت في عصر شبابها .
[ 6 ] ورد في الأصول التي بأيدينا « جمين » . قال في « القاموس » في مادة جمن : « وأبو الحارث جمين كقبّيط المدينيّ ضبطه المحدّثون بالنون ، والصواب بالزاي المعجمة ؛ أنشد أبو بكر بن مقسم :إن أبا الحارث جمّيزا
قد أوتي الحكمة والميزا «وهو صاحب النوادر والمزاح ( راجع « تاج العروس » مادة جمن ) .