فسأله عن الماء ، فقال : أمامك عينان إحداهما مالحة والأخرى عذبة ، فإن أصبت من المالحة ضللت وهلكت ، وإن أصبت من العذبة هديت ورويت ، فهذا مثلكم أيّتها الامّة المهملة كما زعمتم .
وأيم اللّه ما اهملتم ، لقد نصب لكم علماً يحلّ لكم الحلال ، ويحرّم عليكم الحرام ، ولو أطعتموه ما اختلفتم ، ولا تدابرتم ، ولا تعلّلتم ، ولا برئ بعضكم من بعض ، فواللّه إنّكم بعده لمختلفون في أحكامكم ، وإنّكم بعده لناقضون عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، وإنّكم على عترته لمختلفون ومتباغضون ، إن سئل هذا عن غير ما علم أفتى برأيه ، وإن سئل هذا عمّا يعلم أفتى برأيه ، فقد تحاريتم وزعمتم أنّ الاختلاف رحمة ، هيهات أبى كتاب اللّه ذلك عليكم ، يقول اللّه تبارك وتعالى
( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ )
وأخبرنا باختلافهم فقال :
( وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ )
أي : للرحمة وهم آل محمّد وشيعتهم ، وسمعت رسولاللّه صلى الله عليه وآله يقول : يا علي أنت وشيعتك على الفطرة والناس منها براء .
فهلّا قبلتم من نبيّكم ، كيف وهو يخبركم بانتكاصكم ، وينهاكم عن خلاف وصيّه وأمينه ووزيره وأخيه ووليّه ، أطهركم قلباً ، وأعلمكم علماً ، وأقدمكم إسلاماً ، وأعظمكم غناءً عن رسولاللّه صلى الله عليه وآله ، أعطاه تراثه ، وأوصاه بعداته ، واستخلفه على امّته ، ووضع عنده رأسه ، فهو وليّه دونكم أجمعين ، وأحقّ به منكم أكتعين ، سيّد الوصيين ، وأفضل المتّقين ، وأطوع الامّة لربّ العالمين ، وسلّم عليه بخلافة المؤمنين في حياة سيّد النبيين ، وخاتم المرسلين .
قد أعذر من أنذر ، وأدّى النصيحة من وعظ ، وبصّر من عمي وتفاشي وردي ، فقد سمعتم كما سمعنا ، ورأيتم كما رأينا ، وشهدتم كما شهدنا .
فقام عبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة بن الجرّاح ، ومعاذ بن جبل ، فقالوا : اقعد يا ابيّ ، أصابك خبل أم أصابتك جنّة ؟ فقال : بل الخبل فيكم ، كنت عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، فألفيته يكلّم رجلًا أسمع كلامه ولا أرى وجهه ، فقال فيما يخاطبه : يا محمّد ما أنصحه لك ولُامّتك وأعلمه بسنّتك ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله : أفترى امّتي تنقاد له بعد وفاتي ؟ فقال : يا محمّد تتبعه من امّتك أبرارها ، ويخالف عليه من امّتك فجّارها ، وكذلك أوصياء النبيين من قبلك .
يا محمّد إنّ موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون ، وكان أعلم بني إسرائيل ، وأخوفهم للّه ، وأطوعهم له ، فأمره اللّه عزّوجلّ أن يتّخذه وصياً كما اتّخذت علياً وصياً ،