قلت : إنّ عيسى خلق من الطين طيراً دليلًا على نبوّته ، والسامري خلق عجلًا جسداً لنقض نبوّة موسى ، وشاء اللّه أن يكون ذلك كذلك ، إنّ هذا لهو العجب .
فقال : ويحك يا فتح إنّ للّه إرادتين ومشيئتين : إرادة حتم ، وإرادة عزم ، ينهي وهو يشاء ، ويأمر وهو لا يشاء ، أو ما رأيت أنّه نهى آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك ؟ ولو لم يشأ لم يأكلا ، ولو أكلا لغلبت مشيئتهما مشيئة اللّه ، وأمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام ، وشاء أن لا يذبحه ، ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشيئة إبراهيم مشيئة اللّه عزّوجلّ .
قلت : فرّجت عنّي فرّج اللّه عنك ، غير أنّك قلت : السميع البصير ، سميع بالاذن ، وبصير بالعين . فقال : إنه يسمع بما يبصر ، ويرى بما يسمع ، بصير لا بعين مثل عين المخلوقين ، وسميع لا بمثل سمع السامعين ، لكن لمّا لم يخف عليه خافية من أثر الذرّة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة الظلماء تحت الثرى والبحار ، قلنا : بصير لا بمثل عين المخلوقين ، ولمّا لم تشتبه عليه ضروب اللغات ، ولم يشغله سمع عن سمع ، قلنا : سميع لا مثل سمع السامعين .
قلت : جعلت فداك قد بقيت مسألة ، قال : هات للّه أبوك . قلت : يعلم القديم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ؟ قال : ويحك إنّ مسائلك لصعبة ، أما سمعت اللّه يقول :
( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا )
وقوله
( وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ )
وقال يحكي قول أهل النار
( أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ )
وقال :
( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ )
فقد علم الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون .
فقمت لأقبل يده ورجله ، فأدنى رأسه ، فقبّلت وجهه ورأسه ، فخرجت وبي من السرور والفرح ما أعجز عن وصفه لما تبيّنت من الخير والحظّ « 1 » .
13 - كمال الدين : حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه ، وأحمد بن محمّد بن يحيى العطّار رضي اللَّه عنهما ، قالا : حدّثنا محمّد بن يحيى العطّار ، قال : حدّثنا الحسين بن علي النيسابوري ، عن إبراهيم بن محمّد بن عبداللّه بن موسى بن جعفر ، عن السيّاري ، قال :
حدّثتني نسيم ومارية قالتا : إنّه لمّا سقط صاحب الزمان عليه السلام من بطن امّه ، سقط جاثياً على
هامش
( 1 ) التوحيد ص 60 - 65 ح 18 ، بحار الأنوار 4 : 290 - 293 ح 21 .