فلمّا رأى ابن عائشة ما ظهر من الحسن علم أنّه لابدّ من الذهاب ، فقال له : بأبي أنت وامّي ، أنا أمضي معك طائعاً لا كارهاً ، فأمر الحسن باصلاح ما يحتاج إليه وركب ، وأمر لابن عائشة ببغلة فركبها ومضيا ، حتّى صار إلى البغيبغة فنزلا الشعب « 1 » ، وجاءهم ما أعدّوا فأكلوا .
ثمّ أمر الحسن بأمره ، فقال : يا محمّد ، فقال له : لبيّك يا سيّدي ، قال : غنّني ، فاندفع فغنّاه :
يدعو النبي بعمّه فيجيبه * يا خير من يدعو النبي جلالا
ذهب الرجال فلا احسّ رجالًا * وأرى الإقامة بالعراق ضلالا
وأرى المرجّي للعراق وأهله * ظمآن هاجرة يؤمّل آلا
وطربت إذ ذكر المدينة ذاكر * يوم الخميس فهاج لي بلبالا
فظللت أنظر في السماء كأنّني * أبغي بناحية السماء هلالا
الشعر لابن المولى من قصيدة طويلة قالها وقد قدم إلى العراق لبعض أمره ، فطال مقامه بها واشتاق إلى بلده ، فقال له الحسن : أحسنت واللَّه يا بن عائشة ، فقال ابن عائشة : واللَّه لا غنّيتك في يومي هذا شيئاً ، فقال الحسن : فواللَّه لا برحت البغيبغة ثلاثة أيّام ، فاغتمّ ابن عائشة ليمينه وندم ، وعلم أنّه لا حيلة له إلّا المقام ، فأقاموا .
فلمّا كان اليوم الثاني قال له الحسن : هات ما عندك فقد برّت يمينك ، وكانوا جلوساً على شيء مرتفع ، فنظروا إلى ناقة تقدم جماعة إبل ، فاندفع ابن عائشة فغنّى :
تمرّ كجندلة المنجني * - ق يرمي بها السور يوم القتال
فماذا تخطرف من قلّة * ومن حدب واكام توالي
ومن سيرها العنق المسبط * - رّ والعجرفيّة بعد الكلال
فقال له الحسن : ويلك يا محمّد لقد أحسنت الصنعة ، فسكت ابن عائشة ، ثمّ قال له :
غنّني ، فغنّاه :
إذا ما انتشيت طرحت اللجا * م في شدق منجرد سلهب
يبذّ الجياد بتقريبه * ويأوي إلى حضر ملهب
كميت كأنّ على متنه * سبائك من قطع المذهب
هامش
( 1 ) الشعب : مسيل الماء .