ولا يخفى ما فيه ؛ فإنّ كون ذات النفس مادة للأجسام الاخرويّة والصور المقداريّة ممّا لا شاهد له من عقل ولا نقل ، بل ولا معنى له ، وكيف يكون ذات نفس الشخص مادّة للحور والقصور والشجر والثمر ، أو للنار والحميم والحيّات والعقارب ؛ فيكون الشخص هو النعمة والمتنعّم ، والآكل والمأكول ، والفاعل والمفعول ، والعقاب والمعذّب ولو باعتبار جزئيه ، مع أنّ الكلام في تجسّم العمل الّذي هو من الأعراض ، وهذا تجسّم للعامل ، ولعلّه أراد بكون النفس مادّة لهذه الأمور ما مرّ منه من أنّ النفس في القيامة لقوّتها تكون فاعلة لهذه الآثار مبرزة لها ؛ بمعنى أنّ النفس لمّا صدرت عنها الأعمال الّتي تنقلب في الآخرة إلى تلك الصور ، أو تكون في تلك النشأة على تلك الصور في نفس الأمر قال : « إنّ النفس صارت مادة لها » توسّعاً ، وإن كان بعيداً عن ظاهر كلامه وتمثيله بالهيولى .
وقوله : « إنّ الهيولى لا مقدار لها في ذاتها وكذا النفس » فيه منع أيضاً ؛ فإنّ الهيولى وإن لم يكن لها مقدار شخصي ، إلّا أنّ لها مقداراً نوعيّاً ، وكلّ نفس أيضاً لها مقدار خاصّ وصورة معيّنة في عالمها .
ثمّ ذكر وجوهاً من الفرق بين النفس والهيولى ، ليس التعرّض لها ولما فيها بمهمّ هنا ؛ إذ المقصود في المقام بيان أنّ أجزاء الأعمال هل هي نفسها بأحد الوجهين أو مغايرة لها وآثار مترتّبة عليها ؟
ولا يخفى أنّ جملةً من الآيات والأخبار وإن كانت تدلّ على الأخير إلّا أنّ جملة أخرى منها ظاهرة في الأوّل كقوله تعالى :
« هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 1 » وقوله تعالى :
« ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
« 2 » وغيرهما ممّا مرّ في كلام المحقّق الدواني ، ولعلّه الأقرب إلى التحقيق ، والجمع بين الكلّ - بحمل ما دلّ على المغايرة على التغاير في الصورة ، وما دلّ على العينيّة على الاتّحاد في الحقيقة - غير بعيد ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) . سورة النمل ، الآية 90 .
( 2 ) . سورة العنكبوت ، الآية 55 .