علم لو بُحت به لاضطربتم اضطراب الأرْشِية « 1 » في الطّوِيِّ « 2 » البعيدة « 3 » .
أقول : في هذا النصّ المتقدم يبين الإمام عليّ عليه السلام عدم المصلحة في إيقاع الفتنة بين المسلمين بعد مبايعة الأوّل ، حيث إنّ الخلافة التي يسعى لها عليه السلام وقاطع القوم في بداية ذودها عنه إنّما هي طريق لأجل عدم انحراف الامّة عن الإسلام وانتفاع العالم باسره منها ، وأمّا إذا أراد القوم أن يجعلوها وبالًا وفتنة وتفريقاً بين المسلمين بعد تمامية الأمر للأوّل ، فعليّ عليه السلام يقف منهم موقف الرادع ، لهم الزاهد فيها كما يقول :
إنَّها أهون عليّ من هذا النعل إلّاأنْ أقيم حقّاً أو أدفع باطلًا
. وهكذا الصفاء الروحي السليم والفكر الرحب العظيم الذي اتصف به عليّ عليه السلام ، لم يكن إلّالخدمة الإسلام والمسلمين .
المورد الثاني : « تحذير الإمام من اتّباع الهوى وطول الأمل » ومنكلام له عليه السلام يحذّر من هاتين الصفتين في الدنيا يقول :
أيّها الناس إنَّ أخوف ما أخاف عليكم اثنان ، اتّباع الهوى وطول الأمل ، فأمّا اتّباع الهوى فيصُدّ عن الحقّ ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة . ألَا وإنَّ الدنيا قد ولّت حذّاء « 4 » فلم يبق منها إلّاصبابة كصبابة الإناء اصطبَّها صابُّها ، ألا وإنَّ الآخرة قد أقبلت ولكل منهما بنون ، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، فإنَّ كل ولدٍ سيلحق بامّه يوم القيامة ، وإنَّ اليوم عملٌ ولا حساب وغداً حساب ولا عمل « 5 » .
هذه هي النفس المطمئنة المعتقدة بالآخرة وبالجزاء الأخروي ، فإذا ضممنا لها إطلاعها على معالم الشريعة والأخلاق الحسنة النبوية بصورة كاملة وحبّها
هامش
( 1 ) الأرشية : جمع رشاء وهو الحبل .
( 2 ) الطَّويّ : جمع طويّة وهي البئر . والبئر البعيدة : العميقة .
( 3 ) رقم الخطبة ( 5 ) من نهج البلاغة تحقيق وتنظيم د . صبحي الصالح طبعة 1387 ه .
( 4 ) الحذّاء : السريعة . ومن الناس من يرويه جذّاء .
( 5 ) نهج البلاغة ، الخطبة : رقم ( 42 ) تحقيق : د . صبحي الصالح .