في خَلقه ، في حياته الاجتماعية ، في نشأته الأدبية ، في عاداته ، في عباداته ، في سائر طقوسه ومعتقداته .
ولكن - وهو في عين هذا الزعم وأجواز هذه الفكرة وفي عقدة هذه العقيدة - لا تجده إلّامدفوعاً إلى طرائق وخلائق ، كأنّه مجبور عليها مسوق بالقسر إليها ، لا تضعه عن تلك الخليقة ألف عِظة ، ولا يصحو بسماع ألف نصيحة !
نعم ، قد قال ذلك الفيلسوف العربي - ونعم ما قال - :
غلب المين منذ كان على الخلق * وماتت بغيضها الحكماء « 1 »
يكتب الكاتبون ويبحث الفلسفيّون وينصح الصلحاء والمصلحون ويجهد علماء الأخلاق وأطبّاء المجتمع البشري في بيان العلل والأمراض والعلاج والدواء والأسقام والشفاء ، ولكن هل نجع شيء من ذلك أو نفع ؟ ! وهل دفع أو نفع ؟ ! أم هل كبح من ذلك الجماح وأثّر شيئاً من الصلاح ؟ ! وهل تغيّر وضع هذا الكائن البشري عن خليقته الأُولى وأطواره المتقادمة ؟ !
أليست هذه النفوس بعد على غلوائها « 2 » ، لا تزال تترامى في مهاوي أهوائها ، وتتعادى على عوائدها وعدوائها ؟ !
هل جفّت الأرض يوماً من وابل الدماء البشرية التي يطلّها الإنسان من أخيه الإنسان ، وما تمزّقه مخالب عدوان البشر من إهاب البشر ؟ !
هل صلحت الأرض في قرن من القرون ، أو عقد من العقود ، أو برهة من الزمن ؟ !
هامش
( 1 ) هذا البيت لأبي العلاء المعرّي ، كما تقدّم .
( 2 ) الغلواء : سرعة الشباب ، وأوّله . ( صحاح اللغة 6 : 2449 ) .