كان لشعره من الذيوع في الأقطار الشامية والديار المصرية .
وفي القرن الرابع نبغ ابن درّاج الأندلسي ، وقد فصلت أخباره ووازنت بينه وبين أبي نواس في كتاب « الموازنة بين الشعراء » وإنما يهمني أن أنص على أن في أشعاره ما يدل على أنه رحل إلى المشرق فعرف العراق وخراسان إذ يقول :
فإن غرّبت أرض المغارب موئلي * وأنكرني فيها خليط وخلَّان
فكم رحّبت أرض العراق بمقدمي * وأجزلت البشرى عليّ خراسان
وإن بلادا أخرجتني لعاطل * وإن زمانا خان عهدي لخوّان
سلام على الإخوان تسليم آيس * وسقيا لدهر كان لي فيه إخوان
فلا مؤنس إلا شهيق وزفرة * ولا مسعد إلا دموع وأجفان
وما كان ذاك البين بين أحبة * ولكن قلوب فارقتهن أبدان
فيا عجبا للصبر منا كأننا * لهم غير من كنا وهم غير من كانوا
مضى عيشهم بعدي وعيشي بعدهم * كأني قد خنت الوفاء وقد خانوا
ولا تندهشوا أيها السادة حين أحدثكم عن غيرة الشريف الرضي من سلطان الشعراء في المشرق والمغرب ، فقد كانت الدواوين الشعرية تصل إلى بغداد في حيوات أصحابها ، وكانت بغداد تشعر بخطر المنافسة ، منافسة القاهرة وقرطبة ، فكانت تستورد كل ما تجود به القرائح ، وإن تباعدت البلاد .
وكان العراقيون ومن والاهم من أهل المشرق يضنّون بالكتب ضنّ الأشراف بالأعراض : فقد غلب أديب على نسخة الجمهرة لابن دريد ، غلبه الفقر ، وهو أبو الحسن علي بن أحمد الفالي ، فباعها للشريف المرتضى بستين دينارا ، فلما تصفحها الشريف وجد فيها بخط البائع هذه الأبيات .
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 89
مساهمون: زكي مبارك
ص٨٩