تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
والانفراد ، فلا ينجيه غيره ، فالصبر على الانفراد أهون من الصبر على السكوت مع المخالطة . وتختلف شدّة الصبر في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعصية في قوّتها وضعفها . وأيسر من حركة اللسان حركة الخواطر باختلاف الوساوس ، فلا جرم يبقى حديث النفس في العزلة ولا يمكن الصبر عنه أصلا إلّا بأن يغلب على القلب همّ آخر في الدين يستغرقه ، كمن أصبح وهمومه همّ واحد ، وإلّا فإن لم يستعمل الفكر في شيء معيّن لم يتصوّر فتور الوسواس عنه . القسم الثاني : ما لا يرتبط هجومه باختياره ، وله اختيار في دفعه ، كما لو أوذي بفعل أو قول وجني عليه في نفسه أو ماله ، فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجبا ، وتارة يكون فضيلة . قال بعض الصحابة رضوان اللّه عليهم : ما كنّا نعدّ إيمان الرجل إيمانا إذا لم يصبر على الأذى . وقال تعالى :
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
« 1 » . وقسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مرّة مالا ، فقال بعض الأعراب من المسلمين : هذه قسمة ما أريد بها وجه اللّه ! فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فاحمرّت وجنتاه . [ 2 / 3860 ] ثمّ قال : « يرحم اللّه أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر » « 2 » وقال تعالى :
وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
« 3 » وقال تعالى :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
« 4 » وقال تعالى :
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ
« 5 » الآية وقال تعالى :
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
« 6 » أي تصبروا عن المكافأة . ولذلك مدح اللّه تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص وغيره فقال تعالى :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ
« 7 » . [ 2 / 3861 ] وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « صل من قطعك ، وأعط من حرمك ، واعف عمّن ظلمك » « 8 » . [ 2 / 3862 ] ورأيت في الإنجيل : قال عيسى بن مريم عليه السّلام : لقد قيل لكم من قبل : إنّ السنّ بالسنّ
هامش
( 1 ) إبراهيم 14 : 12 . ( 2 ) البخاري 5 : 106 ؛ مسلم 3 : 109 ؛ البيهقي 8 : 167 . ( 3 ) الأحزاب 33 : 48 . ( 4 ) المزّمّل 73 : 10 . ( 5 ) الحجر 15 : 97 - 98 . ( 6 ) آل عمران 3 : 186 . ( 7 ) النحل 16 : 126 . ( 8 ) مكارم الأخلاق ، ابن أبي الدنيا : 23 / 20 ؛ مسند أحمد 4 : 148 ؛ كنز العمّال 2 : 312 / 4089 .