وفرة الاستعارة في القرآن
تقدّم أنّ التوفّر من الاستعارة في القرآن كان أمراً لا بدّ منه ، بعد تضايق الألفاظ الموضوعة عن إمكان الإيفاء بمقاصده العلية ، والإفادة بجلّ مطالبه الرفيعة . لكن رأي ابن الأثير في ذلك يختلف عن رأي ابن رشيق . بينما الأوّل يرى قلّة الاستعارة في القرآن ، بل وفي سائر الكلام من فصيح الخطب والأشعار ، نظراً منه إلى أنّ طيّ المستعار له لا يتيسّر في كلّ كلام ، على خلاف التشبيه الذي هو كثير وسهل . . . « 2 » إذا بابن رشيق يعاكسه في الرأي ، ويرى أنّ الاستعارة في القرآن كثيرة ومتوفّرة ، وممّا يزيد في جماله وبهائه . والسبب في هذا الاختلاف يرجع إلى ما زعمه ابن الأثير ، من كون « التوسّع في الكلام » - الذي هو نوع من الاستعارة - مجازاً مرسلًا وليس استعارة ! والتوسّع ، اصطلاح منه ، يطلقه على ما يسمّونه « الترشيح » وهو نوع من الاستعارة المبتنية على تناسي التشبيه ، وهو من أبلغ أنواعها ، واعترف هو بأنه كثير في القرآن . منها قوله تعالى : « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ » « 3 » . زعم أنّه توسّع في الكلام مجازاً مرسلًا ، لأنّه نسب القول إلى