جسمه ، ثم تركت هذه الجملة إلى جُملة أخرى أكثر تفصيلًا منها .
( الدرجة الخامسة ) كأنّه قال : أنا وَهنت عظامُ بدني ، فأعطيت مبالغة ، لمّا قدَّم المبتدأ ببناء الكلام عليه ، كما ترى .
( الدرجة السادسة ) كأنّه قال : إِنّي وهنت العظامُ من بدني ، فأضاف إلى نفسه تقريراً مؤكّداً ( بإنّ ) للأمر ، واختصاصها بحاله ، ثمّ تُركت هذه الجملة بجملة غيرها .
( الدرجة السابعة ) كأنّه قال : إنّي وهنت العظام منّي ، فترك ذكر البدن وجمع العظام ، إرادة لقصد شمول الوهن للعظام ودخوله فيها .
( الدرجة الثامنة ) ترك جمع العظام إلى إِفراد العظم ، واكتفى بإفراده فقال :
« إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي »
.
( الدرجة التاسعة ) تَرك الحقيقة ، وهي قوله : أشيبُ ، أو شاب رأْسي ، لما علم أنّ المجاز أحسن من الحقيقة ، وأكثر دخولًا في البلاغة منها ، ثم تُركت هذه الجملة بجملة أخرى غيرها .
( الدرجة العاشرة ) أنّه عدل عن المجاز إلى الاستعارة في قوله
« وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
وهي من محاسن المجاز ، ومن مُثمرات البلاغة ، وبلاغتُها قد ظهرت من جهات ثلاث :
الجهة الأولى : إِسنادُ الاشتعال إلى الرأْس لإفادة شمول الاشتمال بجميع الرأس ، بخلاف ما لو قال : اشتعل شيب رأْسي ، فإنّه لا يُؤدِّي هذا المعنى بحال ، ف « اشتعل رأسي » وزَانُ اشتعلت النار في بيتي ، و « اشتعَلَ رأْسي شَيْباً » وزَانُ : اشتعل بيتي ناراً .
الجهة الثانية : الإجمال والتفصيلُ في نصب التمييز ، فإنّك إذا نصبت « شَيْباً » كان المعنى مخالفاً لما إذا رفعته ، فقلت : اشتعل شيبُ رأْسي ، لما في النصب من المبالغة دون غيره .
الجهة الثالثة : تنكير قوله « شيباً » لإفادة المبالغة ، ثم إنّه ترك لفظ « منّي » في قوله
« وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً »
اتِّكالًا على قوله
« وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي »
ثم إنّه أتى به في الأول بياناً للحال وإرادةً للاختصاص بحاله في إضافته إلى نفسه . ثم عطف الجملة الثانية على الجملة الأولى بلفظ الماضي ، لما بينهما من التقارب والملاءمة .