ثمّ رجع إلى أبي جهل ودخل عليه وقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمّد ؟ فقال : ماذا سمعتُ ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتّى إذا تجاذينا على الرُّكب وكنّا كفرسيّ رهان ! والآن قالوا : منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه ! واللَّه لا نؤمن به أبداً ولا نصدّقه . فقام عنه الأخنس وتركه ! « 1 » هكذا تحكّم الحسد والعصبيّة في نفوس قريش ، فحال دون قبولهم للحقّ الصريح ، فأخزاهم اللَّه . « قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ » « 2 » . « كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ » « 3 » .
فصحاء قريش تحاول معارضة القرآن
ذكر أبو الحسن ابن رشيق القيرواني ( توفّي سنة 456 ه ) بشأن ما يعين على جيّد الشعر - وأنّ الطعام الطيّب والشراب الطيّب وسماع الغناء ممّا يرقّ الطبع ويصفّي المزاج ويعين على الشِعر - : إنّ قريشاً لمّا أرادت معارضة القرآن عكف فصحاؤهم - الذين تعاطوا ذلك على لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة - إلى أن بلغوا مجهودهم . فلمّا سمعوا قول اللَّه عزّ وجلّ « وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » « 4 » يئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنّه ليس بكلام مخلوق « 5 » . وفي المجمع : فلمّا أخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه الآية ، فقال بعضهم لبعض : هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام ولا يشبه كلام المخلوقين ، وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا « 6 » .