هذا الحكم القاسي ، فمن ذلك أيضا حديث الشيخين « كلّ بني آدم يمسّه الشيطان يوم ولدته أمّه إلّا مريم وابنها » فإنّه قال فيه : « إذا صحّ الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة » « 1 » .
« فهو لا يثق بصحّة الحديث رغم رواية الشيخين له ، ثمّ يتخلّص من إرادة الحقيقة على فرض الصحّة ، بجعل الحديث من باب التمثيل ، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة ، الذين يرون أنّ الشيطان لا تسلّط له على الإنسان إلّا بالوسوسة والإغواء فقط » « 2 » .
قلت : الحقّ أحقّ أن يتّبع ، حتّى ولو كان القائل به أصحاب الاعتزال ؛ إذ الحقّ ضالّة المؤمن ، أخذها حيث وجدها . فإن كان مذهب أهل الجمود يقضي بالأخذ بالظواهر الظنّيّة ، حتّى في باب العقائد ، التي تستدعي اليقين فيها ، فإنّ مذهب أهل النظر والاجتهاد ، يرى وجوب التدبّر في آياته تعالى والتعمّق فيها ؛ ذلك أنّه دستور القرآن الكريم ، والذي هدى إليه العقل الرشيد .
نعم ، لا تقاس عقليّة مثل شيخنا الإمام الكبير ، مع ذهنيّة أمثال الذهبيّ الهزيلة التي اقتنعت بتقاليد أشعريّة سلفيّة ، رغم منافاتها لأُصول الشرع ومحكمات القرآن الكريم .
أوّلًا : لا سلطان لإبليس على أحد ، سوى وسوسته وإغوائه ، قال تعالى فيما يحكيه عن إبليس لمّا قضي الأمر :
« وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ »
« 3 » .
ثانيا : ليس للشيطان سلطان على عباد اللّه المخلصين :
« إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ »
« 4 » فلم يكن لإبليس على عباد اللّه المخلصين حتّى سلطان الوسوسة والإغواء ، فكيف بالاستحواذ على عقليّتهم الكريمة « 5 » .
هامش
( 1 ) - . راجع : المنار ، ج 3 ، ص 290 .
( 2 ) - . التفسير والمفسّرون ، ج 2 ، ص 575 .
( 3 ) - . راجع : المنار ، ج 7 ، ص 512 - 513 . إبراهيم 22 : 14 .
( 4 ) - . الحجر 42 : 15 .
( 5 ) - . وقد أنكر الشيخ الإمام إمكان استحواذ الشيطان على عباد اللّه المخلصين . راجع : المنار ، ج 3 ، ص 291 .