بالتيّارات الأجنبيّة ، اليونان والفرس والهند .
كذلك تلحظ عبقريّة القشيريّ إزاء اللفظة أو الآية ، حينما لا يكون فيها اصطلاح صوفيّ ، فإنّه يستخرج لك من آيات الطلاق إشارات في الصحبة والصاحب ، ومن علاقة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه إشارات عن الشيخ ومريديه ، ومن مظاهر الطبيعة كالشمس والقمر والمطر والجبال إشارات تتّصل اتّصالًا وثيقا بالرياضات والمجاهدات ، أو بالمواصلات والكشوفات .
ومن ثمّ فإنّه من أوفق التفاسير الصوفيّة في الجمع بين الشريعة والطريقة ، وأسلمها عن الخوض في التأويلات البعيدة التي يأباها اللفظ وينفرها ، كما في سائر تفاسيرهم .
ولذلك فإنّ فيه بعض الشطحات أو التأويلات البعيدة ، ممّا يعدّ تفسيرا بالرأي الممنوع منه شرعا ، مثلًا عند قوله تعالى :
« وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ »
« 1 » يقول : الأمر في الظاهر بتطهير البيت ، والإشارة من الآية إلى تطهير القلوب . وتطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس والأوضار ، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار .
وطواف الحجّاج حول البيت معلوم بلسان الشرع ، وطواف المعاني معلوم لأهل الحقّ ، فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة ، وقلوب الموحّدين الحقائق فيها عاكفة ، فهؤلاء أصحاب التلوين ، وهؤلاء أرباب التمكين « 2 » .
وقلوب القاصدين بملازمة الخضوع على باب الجود أبدا واقفة .
وقلوب الموحّدين على بساط الوصل أبدا راكعة .
وقلوب الواجدين على بساط القرب أبدا ساجدة .
هامش
( 1 ) - . البقرة 125 : 2 .
( 2 ) - . التلوين والتمكين لفظان اصطلاحيّان : التلوين صفة أرباب الأحوال ، والتمكين صفة أهل الحقائق . فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين ؛ لأنّه يرتقي من حال إلى حال ، وينتقل من وصف إلى وصف ، وهو أبدا في الزيادة . أمّا صاحب التمكين فوصل ثمّ اتّصل ، وأمارة أنّه اتّصل أنّه بالكلّيّة عن كلّيّته بطل ، والتغيير بما يرد علىالعبد إمّا لقوّهالوارد أو لضعفصاحبه ، والسكون إمّا لقوّته أو لضعف الوارد عليه الرسالهالقشيريّة ، ص 44 .