لتفسير العارف السالك الخواجا عبد اللّه الأنصاريّ ، تراه جمع بين الظاهر والباطن كلًاّ على حدّه . يفسّر القرآن أوّلًا على نهج أهل الظاهر تفسيرا قويما ، ثمّ يعرّج على تفسيره وفق مذاقات أهل الباطن ، في ظرافة ولباقة كلًاّ في أحسن بيان ، مقرّا بأنّ تفسير الظاهر هو الأصل ، ولولاه لما أمكن استخراج الباطن الذي هو الفرع .
نعم ، يرون من تفسير الباطن اللباب الخابئ تحت ذاك العُباب .
قال سهل بن عبد اللّه التستريّ - في قوله تعالى :
« وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ »
« 1 » - : يعني : شرك النفس الأمّارة بالسوء .
[ 35 / 1 ] كما قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : « الشرك في امّتي أخفى من دبيب النمل على الصفا » « 2 » .
قال : هذا باطن الآية . وأمّا ظاهرها فمشركو العرب يؤمنون باللّه ، كما قال تعالى :
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ »
« 3 » . وهم معذلك مشركون يؤمنون ببعض ولا يؤمنون ببعض « 4 » .
إذن لم يخلط بين ظهر القرآن وبطنه وذكر كلًاّ على حدّه بأمانة . على أنّ الأخذ بالبطن كان مستندا إلى النبويّ الشريف ، مضافا إلى كونه الأخذ بمفهوم الآية العامّ - حسبما نبّهنا - مراعيا جانب المناسبة القريبة . فقد استجمع شرائط التأويل الصحيح .
نعم ، إنّ إخضاع القرآن للّغة التي مقياسها الوضع المحدود ، عقال له عن الانطلاق فيما وراء الغيوب ، وإغلاق لباب الفهم الذي مقياسه العقل الرشيد مدعما بإدراكات كان مجالها ما فوق العقل ألا وهو القلب الذي لا تحدّه الحدود ، لأنّه عرش استواء تجلّيات الربّ تعالى على مملكة الجسم .
[ 36 / 1 ] كما جاء في الحديث القدسيّ : « لم يسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن » « 5 » وهو القلب الذي اختصّه اللّه بالأسرار ويجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار .
هامش
( 1 ) - . يوسف 106 : 12 .
( 2 ) - . المستدرك للحاكم ، ج 2 ، ص 291 ؛ الكامل ، ج 7 ، ص 240 .
( 3 ) - . الزخرف 87 : 43 .
( 4 ) - . راجع : تفسير التستريّ ، ص 83 .
( 5 ) - . بحار الأنوار ، ج 55 ، ص 39 .