سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً »
« 1 » ، وقوله :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ »
« 2 » احتجّوا بأمثال هذه الآيات على جواز تكليف ما لا يطاق .
ثمّ أخذ في تقرير هذا الاحتجاج من وجوه خمسة :
أوّلًا : أنّه تعالى أخبر عن أشخاص معيّنين أنّهم لا يؤمنون قطّ ، فلو صدر منهم الإيمان ، لزم انقلاب خبر اللّه تعالى الصدق كذبا .
وثانيا : أنّه تعالى لمّا علم منهم الكفر ، فكان صدور الإيمان منهم مستلزما لانقلاب علمه تعالى جهلًا .
وثالثا : أنّ وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان ؛ لأنّه إنّما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنّما يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان ، فلو وجد الإيمان مع العلم بعدم الإيمان ، لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا ، وهو محال ، فالأمر بالإيمان مع وجود علم اللّه تعالى بعدم الإيمان ، أمر بالجمع بين الضدّين ، بل بالجمع بين العدم والوجود ، وكلّ ذلك محال .
ورابعا : أنّه تعالى كلّف هؤلاء - الذين أخبر عنهم بأنّهم لا يؤمنون - بالإيمان البتّة ، والإيمان يعتبر فيه تصديق اللّه تعالى في كلّ ما أخبر عنه ، وممّا أخبر عنه أنّهم لا يؤمنون قطّ ، فقد صاروا مكلّفين بأن يؤمنوا بأنّهم لا يؤمنون قطّ ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات .
وخامسا : أنّه تعالى عاب الكفار على أنّهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر اللّه عنه في قوله
« يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ »
« 3 »
فثبت أنّ القصد إلى تكوين ما أخبر اللّه تعالى عن عدم تكوينه ، قصد لتبديل كلام اللّه ، وذلك منهيّ عنه . وهاهنا أخبر اللّه تعالى عنهم بأنّهم لا يؤمنون البتّة ، فمحاولة الإيمان منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام اللّه ، وذلك منهيّ عنه . وترك محاولة الإيمان يكون أيضا
هامش
( 1 ) - . المدّثّر 11 : 74 - 17 .
( 2 ) - . المسد 1 : 111 .
( 3 ) - . الفتح 15 : 48 .