ذكرهم نبيّهم هود بهذه النعمة ، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة اللّه - تبارك وتعالى - الذي خلقهم ومنحهم هذه القوّة ، فقال :
« وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ
بسطة
فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
« 1 » ، وقال تعالى :
« فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً »
« 2 » ، وقوله هنا :
« الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ »
أي القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق مثلها في بلادهم ، وفي زمانهم ، لقوّتهم ، وشدّتهم ، وعظم تركيبهم .
ومهما يكن من تفسير ذات العماد : فالمراد القبيلة ، وليس المراد مدينة ، فالحديث في السورة إنّما هو عمّن مضى من الأقوام الذين مكّن اللّه لهم في الأرض ، ولمّا لم يشكروا نعم اللّه عليهم ، ولم يؤمنوا به وبرسله ، بطش بهم ، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر . ففيه تخويف لكفّار مكّة ، الذين هم دون هؤلاء في كلّ شيء ، وتحذيرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء .
ما رُوي في عظم طولهم
وليس معنى قوّتهم ، وعظم خلقهم ، وشدّة بطشهم أنّهم خارجون عن المألوف في الفطرة ، فمن ثمّ لا نكاد نصدّق ما روي في عظم أجسامهم ، وخروج طولهم عن المألوف المعروف ، حتّى في هذه الأزمنة ، فقد روى ابن جرير في تفسيره ، وابن أبي حاتم وغيرهما عن قتادة ، قال : كنّا نحدّث أنّ « إرم » قبيلة من عاد ، كان يقال لهم : ذات العماد ، كانوا أهل عمود ،
« الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ »
، قال : ذُكر لنا أنّهم كانوا اثني عشر ذراعا « 3 » طولًا في السماء ، وهذا من جنس ما روي في العماليق . وأغلب الظنّ عندنا أنّ من ذكر لهم ذلك هم أهل الكتاب الذين أسلموا ، وأنّه من الإسرائيليّات المختلقة .
وأيضا لا نكاد نصدّق ، ما روي عن المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم في هذا ، فقد روى ابن أبي حاتم ،
هامش
( 1 ) - . الأعراف 69 : 7 .
( 2 ) - . فصّلت 15 : 41 .
( 3 ) - . حوالي ستّة أمتار أو تزيد .