واستدرار العطف عليهم .
الحقّ في هذه القصّة
وقد دلّ كتاب اللّه الصادق ، على لسان نبيّه محمّد الصادق ، على أنّ اللّه تبارك وتعالى ابتلى نبيّه أيّوب عليه السلام في جسده ، وأهله ، وماله ، وأنّه صبر حتّى صار مضرب الأمثال في ذلك ، وقد أثنى اللّه عليه هذا الثناء المستطاب ، قال عزّ شأنه :
« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ »
، فالبلاء ممّا لا يجوز أن يشكّ فيه أبدا ، والواجب على المسلم أن يقف عند كتاب اللّه ، ولا يتزيّد في القصّة كما تزيّد زنادقة أهل الكتاب ، وألصقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم ، وليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرّأوا على أنبياء اللّه ورسله فحسب ، بل تجرّأوا على اللّه تبارك وتعالى ونالوا منه ، وفحشوا عليه ، ونسبوا إليه ما قامت الأدلّة العقليّة والنقليّة المتواترة على استحالته عليه سبحانه وتعالى من قولهم :
« إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ »
« 1 » ، وقولهم :
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا »
« 2 » ، عليهم لعنة اللّه .
والذي يجب أن نعتقده أنّه ابتُلي ، ولكن بلاءه لم يصل إلى حدّ هذه الأكاذيب ، من أنّه أصيب بالجذام « 3 » ، وأنّ جسمه أصبح قرحة ، وأنّه أُلقي على كناسة بني إسرائيل ، يرعى في جسده الدود ، وتعبث به دوابّ بني إسرائيل ، أو أنّه أصيب بمرض الجدريّ .
وأيّوب عليه السلام أكرم على اللّه من أن يُلقَى على مزبلة ، وأن يصاب بمرض ينفّر الناس من دعوته ، ويقزّزهم منه ، وأيّ فائدة تحصل من الرسالة ، وهو على هذه الحال المزريّة ، التي لا يرضاها اللّه لأنبيائه ورسله ؟ .
والأنبياء إنّما يبعثون من أوساط « 4 » قومهم ، فأين كانت عشيرته فتواريه ، وتطعمه ؟ ! بدل أن تخدم امرأته الناس ، بل وتبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه ! !
بل أين كان أتباعه ، والمؤمنون منه ، فهل تخلّوا عنه في بلائه ؟ ! وكيف والإيمان ينافي
هامش
( 1 ) - . آل عمران 181 : 3 .
( 2 ) - . المائدة 64 : 5 .
( 3 ) - . الجذام : مرض من أخبث الأمراض وأقذرها .
( 4 ) - . خيارهم وأكرمهم نسبا وعشيرة .