الشيء رجاء أن أكون جئت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ببعض ما يُحبّ . فلمّا أتيت به قال : اجلس اقرأ عليّ . فقرأت ساعة ، ثمّ نظرت إلى وجه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو يتلوّن . فتحيّرت من الفَرَق « 1 » ، فما استطعت أن أجيز منه حرفا . فلمّا رأى الذي بي رفعه « 2 » ثمّ جعل يتبعه رسما رسما فيمحوه بريقه ، وهو يقول : لا تتّبعوا هؤلاء فإنّهم قد هَوِكوا وتهوّكوا « 3 » ، حتّى محاه عن آخره حرفا حرفا .
قال عمر : فلو علمت أنّكما كتبتما شيئا جعلتكما نكالًا لهذه الامّة . قالا : واللّه ما نكتب منه شيئا أبدا . فخرجا بصلاصفتهما ، فحفرا لها ، فلم يأْلُوَا أن يُعمّقا ، ودفناها ، فكان آخر العهد منها « 4 » .
* * * ولكن هل أثّر تشديد عمر في الحدّ عن مراجعة أهل الكتاب ؟
إنّه لم يشدّد على مراجعتهم ، وإنّما شدّد على الكتابة من كتبهم كما شدّد على كتابة الحديث . ومن ثَمَّ نراه قد أجاز للداريّ أن يقصّ على الناس ، كما شاع القصّ في مسجد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فضلًا عن سائر المساجد ذلك العهد .
وهكذا سار على منهجه في إجازة القصّ في المساجد ، من جاء بعده من الخلفاء .
وأصبح ذلك مرسوما إسلاميّا فيما بعد ، كما حثّ عليه معاوية في إجازته لكعب أن يقصّ على الناس حسبما عرفت .
* * * وبعد ، فإنّ عصر الصحابة وهي الفترة بين وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وظهور التابعين في عرصة الفُتْيا والتفسير كان عصر نشوء الإسرائيليّات وتسرّبها في التفسير والحديث ، فضلًا عن التاريخ ، ذلك أنّ غالبيّة الشؤون التاريخيّة كانت ممّا يرجع عهدها إلى تاريخ الأمم الماضية والأنبياء الماضين ، وكان المرجع الوحيد لدى العرب حينذاك لمعرفة أحوالهم
هامش
( 1 ) - . الفَرَق : الفزع .
( 2 ) - . أي أخذه منّي .
( 3 ) - . الهَوَك : الحمق .
( 4 ) - . راجع : تفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 467 - 468 .