فوجه تناسب استشهاده عليه السلام بهذه الآية بشأن الصفات محضا ، هو العجز البادئ لدى المتشابهات ، يُقرّ به الراسخون في أوّل مجابهتهم للمتشابهات ، وإن كان الأمر يفترق في نهاية المطاف .
قال ابن أبي الحديد : إنّ من الناس من وقف على قوله :
« إِلَّا اللَّهُ »
، ومنهم من لم يقف .
وهذا القول أقوى من الأوّل ؛ لأنّه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلّا اللّه لم يكن في إنزاله ومخاطبة المكلّفين به فائدة ، بل يكون كخطاب العربيّ بالزنجيّة ، ومعلوم أنّ ذلك عيب قبيح .
وأمّا موضع
« يَقُولُونَ »
من الإعراب ، فيمكن أن يكون نصبا على أنّه حال من الراسخين ، ويمكن أن يكون كلاما مستأنفا ، أي هؤلاء العالمون بالتأويل ، يقولون : آمنّا به .
وقد روي عن ابن عباس أنّه تأوّل آية ، فقال قائل من الصحابة :
« وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ »
، فقال ابن عبّاس :
« وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ »
وأنا من جملة الراسخين « 1 » .
ونحن قد تكلّمنا عن هذه الآية بتفصيل وتوضيح ، عند الكلام عن متشابهات القرآن ، فراجع « 2 » .
هل التفسير توقيف ؟
ربّما كان بعض السلف يحتشم عن القول في القرآن ، خشية أن يكون قولًا على اللّه بغير علم ، أو تفسيرا برأيه الممنوع شرعا . وتبعهم على ذلك بعض الخلف ، فأمسكوا عن تفسير القرآن ، سوى ما ورد فيه أثر صحيح ونقل صريح .
فقد أخرج الطبريّ بإسناده إلى أبي معمر ، قال : قال أبو بكر : « أيّ أرض تقلّني وأيّ سماء تظلّني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم » ، وفي رواية أخرى أيضا عنه : « إذا قلت في القرآن برأيي » « 3 » .
هامش
( 1 ) - . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 6 ، ص 404 - 405 .
( 2 ) - . التمهيد ، ج 3 ، ص 25 - 42 .
( 3 ) - . تفسير الطبريّ ، ج 1 ، ص 27 .