مشاهدات حاضرة أو فهم الأوضاع اللغويّة الأُولى أو ما يرجع إلى آداب ورسوم جاهليّة بائدة ، كان الصحابة يعرفونها ، وأشباه ذلك . فإن كان لا يرجع إلى شيء من ذلك ، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّه مستند إلى علم تعلّمه من ذي علم . هذا ما يقتضيه مقام إيمانه الذي يحجزه عن القول الجزاف . وإلّا فهو موقوف عليه ومستند إلى فهمه الخاصّ ، ولا ريب أنّه أقرب فهما إلى معاني القرآن ، من الذي ابتعد عن لمس أعتاب الوحي والرسالة ، وحتّى عن إمكان معرفة لغة الأوائل ، وعادات كانت جارية حينذاك .
وهكذا صرّح العلّامة الناقد السيّد رضيّ الدين بن طاووس المتوفَّى سنة ( 664 ه . ) بشأن العلماء من صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إنّهم أقرب علما بنزول القرآن » « 1 » .
قال الإمام بدر الدين الزركشيّ : لطالب التفسير مآخذ كثيرة ، أُمّهاتها أربعة :
الأوّل : النقل عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا هو الطراز الأوّل ، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع ، فإنّه كثير .
الثاني : الأخذ بقول الصحابيّ ، فإنّ تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كما قاله الحاكم في تفسيره . وقال أبو الخطّاب - من الحنابلة - : يحتمل أن لا يرجع إليه إذا قلنا :
إنّ قوله ليس بحجّة ! والصواب الأوّل ؛ لأنّه من باب الرواية لا الرأي . وقد أخرج ابن جرير عن مسروق بن الأجدع قال : قال عبد اللّه بن مسعود : والذي لا إله إلّا هو ، ما نزلت آية في كتاب اللّه إلّا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب اللّه منّي تناله المطايا لأتيته . وقال أيضا : كان الرجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يتجاوزهنّ حتّى يعلم معانيهنّ ، والعمل بهنّ . قال : وصدْر المفسّرين من الصحابة ، عليٌّ ثمّ ابن عبّاس - وهو تجرّد لهذا الشأن - والمحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن عليّ ، إلّا أنّ ابن عبّاس كان أخذ عن عليّ عليه السلام ، ويتلوه عبد اللّه بن عمرو بن العاص . وكلّ ما ورد عن غيرهم من الصحابة فحسن مقدّم « 2 » .
هامش
( 1 ) - . في كتابه القيّم سعد السعود الذي عالج فيه نقد أكثر من سبعين كتابا في تفسير القرآن ، كانت في متناولة ذلك العهد . ص 174 ط نجف .
( 2 ) - . البرهان في علوم القرآن ، ج 2 ، ص 156 - 157 .