إلى السير « 1 » .
قال الفرّاء : جاء التفسير بأنّه التنقّص . والعرب تقول : تحوّفته - بالحاء المهملة - :
تنقّصته من حافاته « 2 » .
ومعنى الآية - على ذلك - : أنّه تعالى يُهلكهم على تدرّج شيئا فشيئا ، بما يجعلهم على خوف الفناء ؛ حيث يرون أنّهم في تنقيص ، والأخذ من جوانبهم تدريجا ، وهذا نظير ما ورد في آية أخرى :
« أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها »
« 3 » وقوله :
« وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ »
« 4 » .
* * * وأيضا أخرج أبو عبيدة من طريق مجاهد عن عبد اللّه بن عبّاس ، قال : كنت لا أدري ما
« فاطِرِ السَّماواتِ »
حتّى أتاني أعرابيّان يتخاصمان في بئر . فقال أحدهما : أنا فطرتها ، والآخر يقول : أنا ابتدأتها . . . « 5 » .
قال الذهبيّ : فإذا كان عمر بن الخطّاب يخفى عليه معنى « الأبّ » ومعنى « التخوّف » ، ويسأل عنهما غيره ، وابن عبّاس - وهو ترجمان القرآن - لا يظهر له معنى « فاطر » إلّا بعد سماعه من غيره ، فكيف شأن غيرهما ؟ ! لا شكّ أنّ كثيرا منهم كانوا يكتفون بالمعنى الإجماليّ للآية : فيكفيهم - مثلًا - أن يعلموا من قوله تعالى :
« وَفاكِهَةً وَأَبًّا »
أنّه تعداد للنعم التي أنعم اللّه بها عليهم ، ولا يلزمون أنفسهم بتفهّم معنى الآية تفصيلًا ، ما دام المراد واضحا
هامش
( 1 ) - . مجمع البيان ، ج 6 ، ص 363 .
والرحل : القتب وهو ما يجعل على ظهر البعير كالسرج للفرس . والتامك : السنام ، لارتفاعه ، يقال : تمك السنام تُموكا إذا طال وارتفع . والقرد : الذي تجعّد شعره فصار كأنّه وقاية للسنام . والنبع : شجر للقسيّ والسهام . والسفن : ما يُنحت به كالمبرد ونحوه . ومعنى البيت : أنّ الرحل قد أخذ من جوانب السنام فجعل يأكله وينقص من أطرافه ، رغم سموكه وتجعّده بالشعر المتلبّد . كما يأخذ المِبرد من أطراف عود النبعة لبريه سهما أو قوسا .
( 2 ) - . معاني القرآن للفرّاء ، ج 2 ، ص 101 .
( 3 ) - . الأنبياء 44 : 21 . ونظيرتها آية أخرى في سورة الرعد ( 13 ) : 41« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ . . . ».
( 4 ) - . البقرة 155 : 2 .
( 5 ) - . الإتقان ، ج 2 ، ص 4 ط 2 وج 1 ، ص 113 ( ط 1 )