الإلحادية التي كانت تنقئها أحلام جاهلية أولى ، كسرا لشوكة الإسلام ، وخطّا من كرامة القرآن ، هيهات ، وقد خاب ظنّهم ،
« يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ »
. « 1 »
قال الخوارزمي « 2 » - معرّضا بآل اميّة - : فما قدروا على دفن حديث من أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولا على تحريف آية من كتاب اللّه تعالى جلّ شأنه . . . « 3 »
هذا ، وقد حاول جماعة من أهل النظر معالجة تلكم الروايات بأشكال فنّية ، لكن من غير جدوى ، بعد أن زعموا صحّة أسانيدها وصراحة مداليلها في وقوع التحريف في نصّ الكتاب العزيز . وانتهوا أخيرا إلى اختلاق مسألة « نسخ التلاوة » المعلوم بطلانها وفق قواعد علم الأصول . ومن ثمّ إمّا قبولا لها على علّاتها والأخذ بها والإفتاء وفق مضامينها - كما فعله فريق - نظرا لصحّة أسانيدها فيما زعموا ، أو رفضا لها رأسا بعد عدم إمكان التأويل .
هذا ابن حزم الأندلسي - وهو الفقيه الناقد - يرى الرجم مستندا إلى كتاب اللّه ، لما رواه بإسناده عن ابيّ بن كعب ، قال : كم تعدّون سورة الأحزاب ؟ قيل له : ثلاثا أو أربعا وسبعين آية . قال : إن كانت لتقارن سورة البقرة أو لهي أطول منها . وإن كان فيها لآية الرجم ، وهي : « إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم » !
قال ابن حزم : هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه . ثمّ قال : ولكنّها ممّا نسخ لفظها وبقي حكمها . « 4 » وسنتكلّم عن هذا التعليل العليل . « 5 »
هامش
( 1 ) - الصف 61 : 8 .
( 2 ) - هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي ، أصله من آمل بطبرستان . كان يرى أبا جعفر بن جرير الطبري صاحب التاريخ والتفسير خاله . وهو القائل :بآمل مولدي ، وبنو جرير * فأخوالي ، ويحكي المرء خاله
فها أنا ورافضيّ عن تراث * وغيري رافضيّ عن كلالهراجع : معجم البلدان ، ج 1 ، ص 57 ، وصف مصحف ابن مسعود ، الجهة الخامسة فما بعد .
( 3 ) - رسائل الخوارزمي ، ص 117 .
( 4 ) - المحلّى لابن حزم ، ج 11 ، ص 235 .
( 5 ) - ولا يخفى عليك أنّه أوّل من ألصق تهمة القول بالتحريف إلى الشيعة الإمامية ، وشنّع عليهم ظلما وزورا ، في حين أنّه في اختياره هذا يكون أولى بالتشنيع ، راجع : الفصل في الملل والنحل ، ج 4 ، ص 182 .