مِنَ الْمَسِّ »
« 1 » فالمراد من المساس هنا هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية ، والتي هي عبارة عن استحواذه على عقلية أهل المطامع ليتيه بهم الدرب ويجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء وفي غياهب غيّهم يعمهون . وهذا إنّما يعني استيلاء الشيطان على شراشر وجودهم فعموا وصمّوا
« كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ » .
« 2 »
« اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ » .
« 3 »
قال تعالى - حكاية عن نبيّ اللّه أيّوب عليه السلام - :
« إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ » .
« 4 » أي مسّني ضرّ وساوسه ودسائسه الخبيثة في سبيل إيقاع أولياء اللّه في النصب ومكابدة الآلام ، كما في قوله :
« إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » .
« 5 » فمسُّ الشيطان هو مسّ ضرّه على أثر دسائسه الخبيثة ، لا الإضرار مباشرةً . « 6 »
التشبيه في رؤوس الشياطين
قال تعالى :
« أَ ذلِكَ خَيْرٌ
أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ . إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ . إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ . طَلْعُها
كأنها
رُؤُسُ الشَّياطِينِ . فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ » .
« 7 »
وهذا أيضا أخذوه على القرآن ، حيث التعبير برؤوس الشياطين جاء على ماتوهّمته العرب أنّ للشياطين رؤوسا على غرار ما توهّموه في الغول . جاء في شعر امرئ القيس :
« ومسنونة زرق كأنياب أغوال » .
غير أنّ الشيطان في اللغة من أوصاف المبالغة مأخوذ من شاط يشيط إذا اشتدّ غيظا وغضبا . يقال : تشيّط إذا احترق غيظا واشتاط اشتياطا عليه إذا التهب غضبا . وكذا قولهم :
هامش
( 1 ) - البقرة 275 : 2 .
( 2 ) - الأنعام 71 : 6 .
( 3 ) - المجادلة 19 : 58 .
( 4 ) - ص 41 : 38 .
( 5 ) - الأنبياء 83 : 21 .
( 6 ) - راجع : التفسير الكبير ، ج 7 ، ص 89 ؛ والميزان ، ج 2 ، ص 436 .
( 7 ) - الصافّات 62 : 37 - 66 .