قلب الحقائق ، وإنّما هي شعوذة وحيَل ووساوس خبيثة لا أكثر .
وأمّا إصابة العين فلم يتعرّض لها القرآن في شيء من تعابيره ، سواء أكانت لها حقيقة أم لم تكن . وكذا مسّ الجنّ وما أشبه ممّا نعرضه بتفصيل :
الجنّ في تعابير القرآن « 1 »
من الغريب أن نرى بعض الكُتّاب الإسلاميّين يلهجون بما لاكه المستشرقون الأجانب من فرض التعابير الواردة في القرآن بشأن الجنّ ، تعابير مستعارة من العرب توافقا معهم جَدَلًا كعامل تنفيذ في أوساطهم على سبيل المماشاة ، لا على سبيل الحقيقة المعترَف بها . إذ يبعد اعتراف القرآن بما لايعترف العلم التجربي بوجوده أو سوف ينتهي إلى إنكاره رأسا . لكن ذلك لايوهن شأن القرآن بعد أن كان تعبيره بذلك ظاهريّا ومجاراةً مع القوم . وهكذا تعبيره عن السحر وإصابة العين تعبير ظاهري وليس على حقيقته .
قالوا : وهذا نظير تأثّره ظاهرا بالنظام الفلكي البطلميوسي والطبّ الجالينوسي القديمين ، وقد رفضهما العلم الحديث .
قلت : أمّا اعتراف القرآن بوجود الجنّ إلى جنب الإنس واشتراكهما في الخلق والتكليف في نهاية المطاف ، فممّا لا يعتريه شكّ ، ولا يسوغ لمسلم يرى من القرآن وحيا من السماء أن يرتاب في ذلك ، فإنّ هناك وراء عالم الشهود كائناتٍ ملكوتية أعلى تُسمّى بالملائكة ، وأخرى أدنى تُسمّى بالجنّ . الأمر الّذي صرّح به القرآن الكريم بما لا يدع مجالًا للريب فيه أو احتمال التأويل .
« وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ » .
« 2 »
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » .
« 3 » ويبدو أنّ خلق الجنّ كان قبل الإنس ، حيث أمر إبليس وكان من الجنّ « 4 » أن يسجد مع الملائكة لآدم ، بعد أن خلقه من طين فأبى واستكبر وكان من الكافرين . « 5 »
هامش
( 1 ) - جاء التعبير بالجنّ في 22 موضعا . والجانّ جمع الجنّ في 7 مواضع . والجِنّة في 5 مواضع .
( 2 ) - الرحمان 15 : 55 .
( 3 ) - الذاريات 56 : 51 .
( 4 ) - الكهف 50 : 18 .
( 5 ) - البقرة 34 : 2 .