ومقامٌ ضيّقٌ فرّجتهُ * ببياني ولساني وجدل
لو يقوم الفيلُ أو فيّاله * زلّ عن مثل مقامي وزَحل « 1 »
ورأيتهم يسؤون بين الجبناء واللكن ، ولا يفصلون بين العيّ والجبن ، ويستنكفون من الخطأ واللحن .
قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله : « أنا أفصح العرب بَيد أنّي من قريش ، واسترضعت في سعد بنبكر ، فأنّى يأتيني اللحن » . « 2 »
ويتحرّون أن ينطقوا بالكَلِم الفصاح ، وأن يمضوا فيها على الأساليب الصِحاح ، باحثين عن مفرق الصواب ، ومصيبين منحر الإعراب ، متيقّضين لما يُستفصح ، متنبّهين على مايُستملح ، يسمعون الكلمة العَيناء فيشرئبّون لها ، واللفظة العَوراء فيشمئزّون منها .
قال بعض امراء العرب لأعرابي رأى معه ناقة فأعجب بها : هل أنزيت عليها ؟ قال : نعم أضربتُها أيّها الأمير ! قال : أضربتَها ؛ قد أحسنت حين أضربتَها ، نِعْمَ ما صنعت إذ أضربتَها ، فجعل يردّدها .
قال الراوي : فعلمت أنّه إنّما يريد أن يثقّف بها لسانه .
وسمعت أنا كوفيا يسأل بدويّا عن ماوان « 3 » وقد شارفناها ، فقال : هي ميّهة . فقال الكوفي : أمية ممّا كانت ؟ قال : إي واللّه أموه ممّا كانت . كأنّه يصحّحها عليه .
ورأيتُ الخلق في المسجد الحرام يترادّون الكلام في اللغات الفصحى ، ويتعادون من له في ميدان البلاغة الخُطى الفُسحى ، ويتذاكرون الكلمات التي تزيغ فيها الحاضرة « 4 » عن
هامش
( 1 ) - زحَل الشئ عن مقامه : أي زلّ عن مكانه . لسان العرب ، مادة « زحل » ، ج 11 ، ص 302 وفيه البيت الثاني عن لبيد .
( 2 ) - ذكره المتّقي الهندي في كنز العمال ، ج 11 ، ص 404 ، رقم 31884 باختلاف يسير .
( 3 ) - ماوان وادٍ فيه ماء بين النقرة والربذة ، فغلب عليه الماء فسمّي بذلك الماء ماوان ؛ قال في المعجم : فأمّا ماوان السنور فليس بينه وبين مساكن العرب مناسبة ، ولعلّ أكثرهم ما يدري ما السنور : وهي قرية في أودية العلاة من أرض اليمامة . انظر : معجم البلدان ، ج 5 ، ص 45 ؛ ومراصد الإطّلاع ، ج 3 ، ص 1222 .
( 4 ) - أي أهل الحضر لأنّهم مظنّة اللحن .