الأفصح العربي من بين وضّاع الكلام ، إن لم يكن واضعه رافع السماء وواضح الأرض للأنام ، فقد أخذ حروف المعجم التي هي كالمادّة والعنصر ، وبمنزلة الإكسير والجوهر ، فعجمها مبسوطات فرائد ، ودافها « 1 » الواحد فالواحد ، وتقلقلت في يده قبل التأليف ، تقلقل الدنانير في أيدي الصياريف ، « 2 » حين تراهم ينفون زيفها وبهرجها ، « 3 » ويصطفون إبريزها وزبرجها ، فتخيّر من بينها أطوعها مخارج ، وتنخّل منها أوطأها مدارج وميّز أسلسها على الأسلات ، « 4 » وأعذبها على العذبات ، « 5 » وأحلاها في الذوق وأسمحها ، وأبهاها عند السبر وأملحها ، وأبعدها من مجّ الأسماع ، وأقربها امتزاجا بالطباع ، وأوقعها لفحول الأمّة الناغمة بأجراسها ، وأحسنها طباقا لطرق أنفاسها .
ولمّا انتقل من انتقاء وسائطها ، بعد انتقاد بسائطهاآإلى أن يؤلّف ويركّب ، ويرصّف ويرتّب ، عمد في عمل التراكيب إلى أشرف الأنماط والأساليب ، فألّف أنماطا تستهش « 6 » أنفس الناطقين ، وكلمات تتحلّب « 7 » لها لهى « 8 » الذائقين ، وتجول في فجوات الأفواه ، فتتمطّق « 9 » بها مستلذّات ، ويطرق بها الآذان فتهوي بها مغذّات ، « 10 » وما طنّت على مسامع أحد
هامش
( 1 ) - داف الشيء دوفا ، وأدافه : خلطه .
( 2 ) - لم يرد جمع الصيرفيّ أي النقّاد على هذه الصيغة إلّا في الشعر ، قال ابن منظور : « الجمع صيارف وصيارفة ، والهاء للنسبة ، وقد جاء في الشعر الصيارف ، فأمّا قول الفرزدق :تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة * نفي الدراهيم تنقاد الصياريففعلى الفيروزآبادي : « وقد جاء في الشعر صياريف » ولعلّ ما أورده الزمخشري تبعا لاقتضاء سجع العبارة ظاهرا . انظر :
لسان العرب ، ج 9 ، ص 190 ؛ والقاموس المحيط ، ج 3 ، ص 162 ، مادّة صرف » .
( 3 ) - اليهرج : الباطل ، واللفظة معرّبة ، وقيل : كلمة هندية أصلها نيهله ، وهو الردي ، فنقلت إلى الفارسية ، فقيل نيهره ، ثمّ عرّبت فقيل : يهرج .
( 4 ) - الأسلات : جمع أسلة ، وهي طرف اللسان .
( 5 ) - عذبة اللسان : طرفه ، والجمع « عذبات » كقصبة وقصبات .
( 6 ) - يقال : استهشّني أمر كذا فهششت له أي : استخفّني فخقفت له .
( 7 ) - تحلّب العرق واتحلب أي : سال .
( 8 ) - جمع لهاة ، وهي اللحمات في سقف أقصى الفم .
( 9 ) - يقال : ذاقه فتمطّق له إذا ضمّ شفتيه إليه وألصق لسانه بنطع فيه مع صوت .
( 10 ) - مغذّات : مسرعات .