وإن قال : بهرَهم النظم العجيب ، يقال له : أليس معنى النظم هو تعليق الكلِم بعضها ببعض ، وهي الأسماء والأفعال والحروف ، ومعرفة طرق تعلّقها كتعلّق الاسم بالاسم ، بأن يكون خبرا عنه أو صفةً له أو عطف بيان منه ، أو عطفا بحرف عليه ، إلى ماشاكله من سعة وجوهه ، وكتعلّق الاسم بالفعل ، بأن يكون فاعلًا له ، أو مفعولًا ، إلى سائر فروعه وأتباعه ، وكتعلّق الحرف بهما كما هو مذكور في كتب النحو ، وهم كانوا يعرفون جميع ذلك ، وكانوا يستعملونه في أشعارهم وخطبهم ومقاماتهم ، ولو لم يعرفوا وجوه التعلّق في الكَلِم ووجوه التمثيلات والتشبيهات لَمّا تأتّى لهُمُ الشعر الذي هو نفث السحر .
فحين تأتّى لهم ذلك ، ومع هذا عجزوا عن المعارضة ، دلّ على أنّ اللّه تعالى أحدث فيهم عجزا ومنعا .
قال : ولأنّ الإعجاز في القرآن لو كان لمكان اختصاصه بالفصاحة والبلاغة لنزل القرآن من أوّله إلى آخره في أعلى مراتب الفصاحة ، ولكان كلّه على نسق قوله تعالى :
« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ . . . » .
« 1 » وليس كلّه نزَل على هذا النسق ، بل فيه ما هو في أعلى مراتب الفصاحة كما ذكرنا ، وما هو دونه كقوله تعالى :
« تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ »
« 2 » و
« إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ »
« 3 » و
« قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ » .
« 4 »
ولأنّ الحال لا تخلو إمّا أن يقال : لارتبة في الفصاحة أعلى من رتبة القرآن ، كما ذهب إليه بعض أهل العدل ، فقالوا : لو كان في المقدور رتبة أعلى منها لأنزل اللّه سبحانه وتعالى عليها القرآن ، إذ لا يحسن أن يقتصر المكلّف على أدنى البيانَين مع قدرته على أعلاهما ، ولأنّ في أعلى البيانَين وجه الدلالة على صدق الرسول أقوى .
وإمّا أن يقال بأنّ القرآن وإن كان فصيحا بليغا ففي مقدور اللّه تعالى ما هو أعلى منه مرتبة في الفصاحة . فيقول المعترض : فهلّا أنزله من أوّله إلى آخره على أعلى مراتب الفصاحة التي ليس وراءها منتهى .
هامش
( 1 ) - هود 44 : 11 .
( 2 ) - المسد 1 : 111 .
( 3 ) - النصر 1 : 110 .
( 4 ) - الكافرون 1 : 109 .