جاهلية مقيتة لامبرّر لها . . . فلمّا وقع سؤالهم عن الأهلّة - وهي مواقيت للنّاس في شؤون حياتهم ، وللحجّ بالذات ، ولم يكن كبير فائدة في مثل هذا السؤال - استغلّه تعالى فرصة مناسبة للتعرّض إلى موضوع أهمّ ، كان الأجدر هو السؤال عنه ، بغية تركه . . . على عكس ما كانوا يرونه برّا ، وهو عملٌ تافهٌ مستقبح . « 1 »
* * * * وقوله تعالى :
« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى »
وعقّبه بقوله :
« وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » .
« 2 » فقد يقال : أيّ رابط بين حادث الإسراء وإتيان موسى الكتاب والتعرّض لحياة بني إسرائيل ؟ !
وهو أيضا من الاستطراد البديع . كان المقصود الأقصى تذكير بني إسرائيل بسوء تصرّفاتهم في الحياة ، وهم في أشرف بقاع الأرض ، وفي متناولهم أفضل وسائل الهداية .
فبدأ بالكلام عن الإسراء من مكة المكرمة إلى القدس الشريف ، وبذلك ناسب الكلام عن هتك هذا الحريم المقدّس على يد أبنائه والذين فضّلوا بالتشرّف فيه ، تأنيبا وليتذكّروا .
وهو من حسن المدخل ولطف المستهلّ من أروع البديع .
* * * * وقوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ » .
« 3 » إذ لاتناسب لها ظاهرا مع سياق السورة الواردة في أحوال القيامة وأهوالها . قال جلالالدين السيوطي : وجه مناسبتها لأوّل السورة وآخرها عسر جدّا . « 4 »
وفي تفسير الرازي وجوه لبيان التناسب . وقد تعسّف فيها ، وبهت قدماء الإمامية أنّهم قالوا بأنّ القرآن قد غُيّر وبُدّل وزيد فيه ونقص عنه ، والآية من ذلك . « 5 »
لكن نزول القرآن منجّما وفي فترات متلاحقة يدفع الإشكال برأسه . ولا موجب لارتكاب التأويل ، ولا سيّما مع هذا التعسّف الباهت الذي ارتكبه شيخ المتشكّكين .
هامش
( 1 ) - الكشاف ، ج 1 ، ص 234 نقلًا بالمعنى .
( 2 ) - الإسراء 1 : 17 - 2 .
( 3 ) - القيامة 16 : 75 .
( 4 ) - الإتقان ، ج 3 ، ص 328 .
( 5 ) - التفسير الكبير ، ج 30 ، ص 222 .