تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّه وإيجاده ، مع ما للعبد فيه من القدرة والاختيار » . « 1 »
انظر إلى هذا التلوّي في التخريج ، في حين أنّ مذهبهم في الاستطاعة صراحة في الجبر ، وأنّ اللّه تعالى مستقل في إرادته في إيجاد أفعال العباد ، ولم يبيّنوا ما إذا كان اللّه مستقلًا في إيجاد أفعال العباد ، فما موضع تأثير قدرة العبد وإرادته الخاصّة ؟ هذا شيء أعجزهم عن الإجابة الوافية ، وجعلهم في مأزق مظلم لا يدرون أين وجه المخرج .
وإليك من عبارات « الأشعري » الصريحة في الجبر وسلب قدرة العبد على الاختيار :
قال : « وإنّ الأشياء تكون بمشيئة اللّه عزّوجلّ ، وإنّ أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله اللّه ، ولا يستغني عن اللّه ، ولا يقدر على الخروج من علم اللّه عزّوجلّ ، وأن لا خالق إلّا اللّه ، وإنّ أعمال العباد مخلوقة للّه مقدّرة ، كما قال تعالى :
« خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ » .
قال : « وإنّ اللّه وفّق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر إليهم وأصلحهم وهداهم وأضلّ الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالآيات - كما زعم أهل الزيغ والطغيان - ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين ، ولو هداهم لكانوا مهتدين . وإنّ اللّه يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ، ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم ، وخذلهم وطبع على قلوبهم » . « 2 »
وقال - في المقالات - : « وقالوا - أي أهل السنّة - : إنّه لا يكون في الأرض من خير أو شرّ إلّا ما شاء اللّه . وأنّ الأشياء تكون بمشيئة اللّه ، كما قال عزّوجلّ :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ »
وكما قال المسلمون : ما شاء اللّه كان ، وما لا يشاء لا يكون . وقالوا : إنّ أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئا قبل أن يفعله - أي اللّه - أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم اللّه ، أو أن يفعل شيئا علم اللّه أنّه لا يفعله » .
إلى أن يقول : « ولكنّه أراد أن يكونوا - أي الكافرون - كافرين كما علم ، وخذلهم وأضلّهم وطبع على قلوبهم » . « 3 »
هامش
( 1 ) - شرح العقائد النسفية للتفتازاني ، ص 65 - 66 .
( 2 ) - الإبانة ، ص 19 - 20 .
( 3 ) - مقالات الإسلاميين ، ج 1 ، ص 345 - 346 .