وجوه ، تقول ويقولون . ولكن حاججهم بالسّنّة فإنّهم لن يجدوا عنها محيصا » . « 1 »
انظر إلى هذه الآية الكريمة :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 2 » ربّما لم تكن العرب تخطر ببالها إرادة الرؤية بالعين ، كما قال الزمخشري : سمعت مستجدية بمكّة ، بعد ما أغلق الناس أبوابهم من حرّ الظهيرة ، تقول : عُيَيْنَتِي نُوَيْظرة إلى اللّه وإليكم . « 3 » ولم يختلج ببال أحد أنّها تقصد النظر بالتحديق إلى اللّه سبحانه ، وإنّما كان قصدها الانقطاع إليه وتوقّع فضله ورحمته تعالى . وهكذا في الآية الكريمة نظرا إلى موقعية الحصر فيها . لكن الأشاعرة وأذنابهم من مشبّهة ومجسّمة جمدوا على ظاهر الآية البدائي وأصرّوا على أنّه النظر إليه تعالى بهاتين العينين اللتين في الوجه . « 4 »
وهكذا لمّا سمعت العرب قوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ »
« 5 » ربّما لم تفهم منه سوى استقلاله تعالى بملكوت السماوات والأرض وتدبيره لشؤون هذا العالم ، نظير قول شاعرهم :
ثمّ استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
وقال آخر :
فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسرٍ وكاسر
لكن الأشاعرة ومن ورائهم سائر أهل التشبيه ، أبوا إلّا تفسيره بالاستقرار على العرش جلوسا متربّعا فوق السماوات العلى ، وقد ينزل إلى السّماء الدنيا ليطلع على شؤون خلقه فيغفر لهم ويجيب دعاءهم ، إذ لا يمكنه ذلك وهو متربّع على كرسيّه فوق السماوات . « 6 »
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ، من الكتب والوصايا : رقم 77 ، ص 465 .
( 2 ) - القيامة 22 : 75 - 23 .
( 3 ) - راجع : الكشاف ، ذيل الآية ، وأساس البلاغة ، ج 2 ، ص 456 ، مادة « نظر » .
( 4 ) - راجع : الإبانة لأبيالحسن الأشعري ، ص 25 .
( 5 ) - يونس 3 : 10 .
( 6 ) - راجع : الإبانة ، ص 69 فما بعد ؛ ورسالة الردّ على الجهمية للدارمي ، ص 13 فما بعد .