أكّدت الفعل بالمصدر لا يكون مجازا ، وأنّه لا يجوز في قول الشاعر : « امتلأ الحوض وقال قَطْني » أن يقول : قال قولًا ، فكذا لمّا قال : « تكليما » وجب أن يكون كلاما على الحقيقة من الكلام الذي يعقل « 1 » فوجب أن يكون من موسى عليه السلام .
وكذا نسب إلى بعضهم أنّه قرأ : « فَتُوبُوا إلى بارِئِكُمْ وَأَقيلوا أَنْفُسَكُمْ » « 2 » نظرا لعدم صحّة الأمر بقتل النفس ، وهكذا كثير من القراءات المنسوبة إلى ذوي المذاهب الخاصّة ، كانت مخالفة للقراءة المشهورة .
* ومنها : ضعف إمكانيّة القارئ أدبيّا ، وعدم معرفته بقواعد اللغة ، فربّما يلحن في قراءة القرآن ويُعدّ ذلك قراءة ، نظرا لموقعه الاجتماعي المعروف ، كقراءات منسوبة إلى أبي حنيفة - وهو مشهور باللّحن في كلامه - يحكى عنه : أنّه قرأ : « إنَّما يَخْشَى اللّه - بالرفع - مِنْ عِبادِهِ العلماء - بالنصب - » « 3 » وتنسب إلى عمر بن عبد العزيز - أيضا - « 4 » وربّما توجّه بأنّ معنى الخشية - في هذه القراءة - هو التعظيم والتكريم . وهي محاولة لتوجيه قراءة شاذّة . « 5 »
وقد سبق تلحين كثير من أئمّة الأدب كثيرا من قراءات قرّاء مشهورين .
وبعد . . . فهذه العوامل الأخيرة ، يجب أن يشطب عليها في حقل الأبحاث القرآنية بعد أن كانت لاتَمُتّ إلى قانون أو سبب معروف في هذا الباب ، ولم يكن أصحابها اختصاصيّين في فنّ القراءة ، فكانت قراءاتهم تلك محض مصادفة اتفاقيّة ، غير منسلكة ضمن « قراءات القرآن » - بما في هذه الكلمة من شمول ، لكن في إطار إصطلاحيّ معروف - وما تلك القراءات إلّا كخواطر أو هواجس نفسيّة خطرت لغير ذي اختصاص ، وسجّلت نظرا لموقعيّة قارئها آنذاك . كقراءة أبي بكر - قُبَيل وفاته - : « وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقّ بالمَوْت » « 6 » ولم تكن عن سوى خطأ لَسَني جرى على لسانه غفلة .
ومن ثَمَّ فإنّ أمثال هذه القراءات ، لاتُعدّ حتى من الشواذّ المبحوث عنها في بحث
هامش
( 1 ) - انظر : تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص 18 .
( 2 ) - البقرة 54 : 2 ؛ تنسب هذه القراءة إلى قتادة . تفسير القرطبي ، ج 1 ، ص 402 .
( 3 ) - فاطر 28 : 35 .
( 4 ) - راجع : تفسير القرطبي ، ج 14 ، ص 344 .
( 5 ) - انظر : البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 341 .
( 6 ) - ق 19 : 50 ؛ راجع : المصدر ، ص 335 .